في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العصر الحديث، برزت المملكة الأردنية الهاشمية، ممثلةً بالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، كأحد أبرز نماذج الاستجابة المنظمة والمستمرة لدعم المدنيين في غزة.
بتوجيهات مباشرة من جلالة الملك «عبد الله الثاني ابن الحسين»، القائد الأعلى للقوات المسلحة، أعطت القوات الأردنية الأولوية لكرامة الإنسان انطلاقاً من نهج إنساني راسخ. هذه السياسة الأردنية تؤكد أن حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم مسؤولية أخلاقية لا تخضع للحسابات السياسية أو الجغرافية.
أسست القوات المسلحة الأردنية مستشفى ميداني في مدينة خان يونس في جنوب غزة، بسعة استيعابية بلغت (41) سريرًا و(41) حاضنة للأطفال حديثي الولادة، كما يضم المستشفى مختلف العيادات وتديره كوادر طبية متخصصة من الخدمات الطبية الملكية. بلغ عدد الحالات التي عالجها المستشفيان الميدانيان الأردنيان في غزة منذ بداية الحرب نحو (879,000) حالة، ما يعكس حجم التدخل الطبي الأردني.
وفرت القوات المسلحة الأردنية عيادتين متنقلتين مجهزتين بالكامل، يرافقهما فريق طبي من المركز الوطني لتأهيل إصابات البتر، ضمن مبادرة «استعادة الأمل»، حيث تم تركيب نحو (770) طرفًا اصطناعيا علويًا وسفليًا لمصابين من غزة في خطوة تعكس انتقال الدعم من الإغاثة الطارئة إلى التأهيل وإعادة الدمج.
كما تضمنت مبادرة الممر الطبي الأردني إجلاء (1807) شخصاً من غزة إلى المستشفيات الأردنية، منهم (519) مريضاً برفقة (1288) من أفراد عائلاتهم.
ولمواجهة صعوبة الوصول إلى غزة عبر الطرق البرية، اعتمدت القوات المسلحة الأردنية استراتيجيات متعددة لإيصال المساعدات، كان أبرزها تنفيذ (564) إنزالاً جوياً لمساعدات غذائية وطبية وإغاثية في أنحاء غزة، منها (400) إنزال بمشاركة دول صديقة، و(164) إنزالاً اردنياً، كما نفذت القوات المسلحة، بالتنسيق مع الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية ووزارة الخارجية وشؤون المغتربين، جسرًا جويًا من مطار ماركا العسكري تم خلاله تسيير (102) رحلة جوية مباشرة الى غزة، إضافة إلى (53) رحلة إلى مطار العريش المصري نقلت نحو (125) طناً مترياً من المساعدات الإنسانية والأدوية العاجلة وحليب للأطفال.
سيرت القوات المسلحة الأردنية، بالتعاون مع شركائها، (201) قافلة إغاثية عبر المعابر البرية، ضمّت (8,664) شاحنة محمّلة بـ (111,361) طناً مترياً من المواد الغذائية، والمستلزمات الطبية، والمأوى الأساسية، ما أسهم بشكل مباشر في التخفيف من معاناة سكان غزة.
لم تقتصر المساعدات الأردنية على الجانب الإغاثي فحسب. فقد دأب الدبلوماسيون الأردنيون على مناصرة قضية الإغاثة الفلسطينية في المحافل الدولية، ودعوا إلى وقف الانتهاكات الإنسانية، وسعوا إلى تعزيز حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإيجاد مسار نحو إقامة دولته. ويعكس هذا النهج حالة من الاتساق بين العمل الإنساني والموقف السياسي الأردني.
كما تؤكد هذه المؤشرات أن دور القوات المسلحة الأردنية في غزة لم يكن إجراءً مؤقتًا أو استجابة ظرفية، وإنما يأتي امتدادًا لنهج إنساني راسخ يستند إلى التوجيهات الملكية والقيم التي تأسست عليها الدولة الأردنية.
وفي ظل التحديات التي تواجه الاستجابة الدولية للنزاعات، برزت التجربة الأردنية كنموذج للإغاثة الإنسانية المنظمة مؤكدة التزام المملكة بالمبادئ الإنسانية، وقدرتها على أداء دور فاعل يتجاوز الحدود الجغرافية، ويعزز قيم التضامن والمسؤولية الدولية.
