كلما استهدفت ميليشيا الحوثي سفينة في البحر الأحمر، بات من الصعب تجاهل حقيقة مرة، مفادها أن التهديد الذي ظهر في البحر إنما بدأ على البر.
فقبل أن يصل صاروخ أو مسيَّرة لأحد الممرات الملاحية، تسبقه سلسلة كاملة من الأنشطة: التهريب، والتخزين، والتجميع، والتطوير التقني، وانتقال منصات الإطلاق في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، ثمَّ قرار عسكري تتخذه ميليشيا مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة ولا تتقيد بالتزامات اليمن الوطنية والدولية.
لقد أثبتت التجربة على مدى السنوات العديدة الماضية أن عمليات الانتشار البحري الدولي وقدرات الاعتراض يمكن أن تحمي السفن وتعطل الهجمات. لكن لا يمكنها القضاء على مصدر التهديد بمفردها.
وينبغي لهذا التمييز أن يعيد تشكيل طريقة التعامل مع أمن البحر الأحمر من جذورها.
فما عاد السؤال الإستراتيجي يقتصر على قولنا: كيف نحمي السفن حين يطلق الحوثيون صواريخهم ومسيَّراتهم؟
بل يجب أن يصبح: كيف يمكننا القضاء على القدرة التي تسمح للحوثيين بتشكيل هذا التهديد واستغلال الأراضي اليمنية لتعريض الملاحة الدولية للخطر؟
لا يمكن أن يدوم الأمن في البحر الأحمر ومليشيا الحوثي تعمل خارج مؤسسات الدولة. ومن ثمّ، فإن التخلص من خطر الحوثيين واستعادة سيادة الدولة اليمنية وهيبتها على أراضيها وسواحلها وموانئها ليسا هدفين منفصلين. بل جزءٌ من مسار إستراتيجي واحد نحو تأمين اليمن وباب المندب والبحر الأحمر.

من التمرد الداخلي إلى تهديد الممرات المائية الدولية
ما عادت ميليشيا الحوثي مجرد مشكلة يمنية داخلية. فقد صنع الحوثيون في السنوات القليلة الماضية صواريخ باليستية ومسيَّرات وقدرات بحرية متزايدة التطور بدعم منهجي من إيران، وبفضل نقل الخبرات والتكنولوجيا، وشبكات تهريب راسخة الأقدام.
وقد كانوا يستخدمون القوة المسلحة للاستيلاء على مؤسسات الدولة، ثمَّ صاروا يستخدمون الأراضي اليمنية لتهديد السفن التجارية والموانئ وطرق الشحن الدولية. وهذا التحول في صميم المشكلة.
فالخطر اليوم لا يكمن في صاروخ أو مسيَّرة أو زوق حوثي مفخخ. بل في وجود ميليشيا مسلحة تسيطر على أراضي وأجزاء من سواحل اليمن.
فجغرافية اليمن تجعل هذا التهديد وخيم العواقب. فاليمن يشكل الشاطئ الشرقي لباب المندب، وهو من أهم الممرات البحرية في العالم، وتمتد سواحله من البحر الأحمر مروراً بخليج عدن وحتى بحر العرب.
وعندما تعمل جماعة مسلحة تمتلك هذه القدرات بالقرب من هذا الممر الإستراتيجي، فإن العواقب لا تقتصر على اليمن وحده. بل يمكن أن تؤثر في الشحن التجاري، وتكاليف التأمين والنقل، وسلاسل الإمداد العالمية، وأسواق الطاقة، والتجارة الدولية، واستقرار أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
والأدهى من ذلك أن هذا التطور لا يحدث بعيداً عن إيران.
فوجود ميليشيا مسلحة متحالفة مع طهران تمتلك صواريخ ومسيَّرات وقدرات بحرية بالقرب من باب المندب يمنح إيران أداة إضافية للضغط وبسط النفوذ.
ولا خلاف على أهمية القوات البحرية الدولية وقدرات الاعتراض في حماية السفن وصون حرية الملاحة.
إلا أن البارجة، وإن كانت قادرة على اعتراض الصواريخ، فلا يمكنها تفكيك شبكات التهريب. وإن كان يمكنها إسقاط المسيَّرات، فلا يمكنها إعادة منطقة إطلاقها إلى سلطة الدولة. وإن كان يمكنها تعطيل الهجمات، فلا يمكنها منع الميليشيا من إعادة التموضع وإعادة التسلح والتحضير للهجوم التالي.
فاعتراض صاروخ يمكن أن ينقذ السفينة. في حين أن القضاء على قدرة الحوثيين على إطلاقه يحمي الممر البحري نفسه.
إن الإستراتيجية التي لا تتخلص من مصدر التهديد ستظل مشغولة أبداً بالتعامل مع عواقبه.
فالدولة اليمنية وحدها هي التي ينبغي أن تدير الموانئ، وتحمي السواحل، وتراقب المياه الإقليمية، وتمنع التهريب، وتسيطر على الأسلحة الإستراتيجية، وتحدد استخدامها، وتكون لها السلطة الحصرية في تقرير مسائل الحرب والسلام واستعمال القوة.
ومن ثمّ فإن استعادة سيادة الدولة اليمنية على أراضيها ليست قضية سياسية منفصلة عن أمن البحر الأحمر. بل جزءٌ لا يتجزأ من الحل الأمني نفسه.
فكل ميناء يُعاد إلى سلطة الدولة يقلل المساحة التي يمكن أن يصدر منها التهديد.
وكل طريق تهريب يُغلق يُضعف قدرة الميليشيا على إعادة التسلح.
وكلما تضاءلت مساحة العمليات المتاحة للميليشيا، قلت ضرورة الحفاظ على وجود بحري دولي كبير ومكلف لأجل غير مسمى.
الدولة خط الدفاع الأول
إن استعادة الدولة لا تعني إقامة وجود رمزي أو إداري بحت.
بل تعني إنشاء خفر سواحل قادر على مراقبة المياه الإقليمية واعتراض المهربين.
وامتلاك قوات بحرية قادرة على حماية الموانئ والجزر.
ومؤسسات أمنية واستخبارية قادرة على كشف شبكات الإمداد والتمويل.
وأجهزة جمارك وسلطات موانئ قادرة على منع استغلال الأنشطة التجارية للتستر على نقل الأسلحة.
ومنظومة قضائية قادرة على محاكمة الفاعلين.
ومؤسسات دولة قادرة على إنفاذ القانون والحيلولة دون تحويل السواحل إلى ساحة عمليات مفتوحة للميليشيات وشبكات التهريب.
غير أن إنشاء هذه المؤسسات لا يمكن أن يكتمل ما دامت أجزاء كبيرة من مساحة البلاد ظلت خارج نطاق سلطتها.
فلا يمكن تشكيل خفر سواحل فعال ما دامت أجزاء من الساحل خارج سيطرة الدولة.
ولا ينبغي قياس قوة الشراكة بعدد الدوريات المشتركة التي تُسيَّر، بل بقوة مؤسسات الدولة التي تبقى بعد رحيل البوارج الأجنبية.
حين ترحل السفن، يجب أن يبقى الأمن
تواجه القوى الدولية المنخرطة في حماية الملاحة البحرية التزامات أمنية في مسارح عمليات متعددة. ومن المحتم إذن أن يُعاد توزيع السفن والطائرات والقدرات الاستخبارية وغيرها من الأصول مع تطور الأولويات الإستراتيجية.
ولهذا لا يمكن أن يقوم أمن منطقة باب المندب على افتراض أن يبقى فيها وجودٌ بحري أجنبي كبير بصورة دائمة.
فلن يتحقق الأمن المستدام بتناوب المدمرات وحاملات الطائرات في المنطقة إلى ما لا نهاية. بل بالتخلص من الظروف التي تستلزم نشرها كلما نشأت أزمة جديدة.
فقد آن الأوان أن يتحول النهج الدولي من التعامل مع التهديد الحوثي إلى اجتثاثه من جذوره. وهذا يتطلب التركيز على أربع أولويات مترابطة:
أولاً: يجب التعامل مع إنهاء التهديد الحوثي واستعادة سيادة الدولة اليمنية على أنهما من الركائز الأساسية لأي إستراتيجية لتأمين البحر الأحمر وباب المندب.
ثانياً: يجب ربط العمليات البحرية بالجهود البرية، وذلك بمراقبة طرق التهريب، وتطبيق حظر الأسلحة، وتتبع مصادر التمويل والمواد ذات الاستخدام المزدوج، وملاحقة الشبكات المسؤولة عن نقل الأسلحة والخبرات والتقنيات للحوثيين.
ثالثاً: ينبغي للمجتمع الدولي الاستثمار في قدرات يمنية دائمة؛ مثل خفر السواحل، والقوات البحرية، والأجهزة الأمنية، ومؤسسات الاستخبارات، وهيئات الموانئ، بدلاً من الاكتفاء باستجابات مؤقتة تتضاءل مع تغير الأولويات الدولية.
رابعاً: يجب مؤازرة الجهود المبذولة لاستعادة سلطة الدولة على الأراضي والسواحل والموانئ والممرات التي تستخدمها ميليشيا الحوثي لتشكيل التهديد وإعادة تشكيله.
إن القضاء على خطر الحوثيين ليس دعوة لحرب أبدية. بل دعوة للتخلص من السبب الجذري الذي يسمح لهذا لخطر بالتجدد بلا نهاية.
