يسير فريق استطلاع عسكري لبناني يرتدي بدلات واقية بيضاء، ويقترب ببطء وحذر من شاحنة صغيرة لا أحد فيها. وكلما اقتربوا من هذه الشاحنة المشبوهة، ارتفعت قراءات جهاز الكشف المحمول، إذ كان يستشعر إشعاعات تنبعث منها.
فيرسل رئيس الفريق رسالة إلى قائده المباشر عبر اللاسلكي، ويخبره بأنهم يحتاجون إلى فريقٍ متخصص لأخذ العينات لاستخراج مصدر محتمل للتلوث النووي قد يشكل خطراً على العامة.
كان هؤلاء المستجيبون الأوائل من عناصر سرية تابعة للقوات المسلحة اللبنانية مدربة على التعامل مع التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية. وكانوا يشاركون في سيناريو تدريبي بالتعاون مع شركائهم من الولايات المتحدة.
وبينما كانت القوات اللبنانية تعمل على تطهير الموقع، قام نظراؤهم من «فريق الدعم المدني» التابع للحرس الوطني لولاية ميسيسيبي بتوجيههم بشأن إجراءات الطوارئ بما لديهم من تكتيكات وتقنيات وإجراءات.

وقد أشاد الفريق الأمريكي بمهارة واحترافية الفريق اللبناني المتخصص في مكافحة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية في طريقة تعاملهم، وذلك للأسباب التالية:
- أخذ الفريق اللبناني عينتَين من موقع التلوث لا عينة واحدة، تحسباً لفقدان إحداهما خلال إجراءات تحليلها.
- اقترب الفريق اللبناني نحو مصدر التلوث أكثر مما تسمح به اللوائح الأمريكية، مع أن أجهزة القياس المحمولة معهم سجلت مستويات إشعاع أعلى.
- تقوم القوات اللبنانية عند التعامل مع ضحايا التعرض لمواد سامة بإنشاء محطتي تطهير منفصلتين للرجال والنساء مراعاةً للاختلافات الثقافية، في حين أن من دأب القوات المسلحة الأمريكية أنها تستخدم محطة واحدة مشتركة للرجال والنساء إذا كانت الموارد محدودة.
- نفذت الفرق اللبنانية عمليات الاستطلاع والاستجابة بأمان وسرعة في أثناء حادثة التلوث. وقد أعطاهم الفريق الأمريكي درجة عالية عند تقييمهم لحفاظهم على نفس المستوى من الكفاءة، وأعرب عن ثقته في قدرة لبنان والولايات المتحدة على تقاسم أعباء الاستجابة عند وقوع كارثة تتعلق بمواد كيميائية أو بيولوجية أو إشعاعية أو نووية.
فقال ديريك بروكس، وهو ضابط سابق في مشاة البحرية الأمريكية متخصص في هذا المجال وتولى قيادة التدريب المشترك بين الولايات المتحدة ولبنان لصالح القيادة المركزية الأمريكية في مركز تدريب بقبرص: «نحن هنا لنتعلم من بعضنا ونحافظ على شراكة ترتقي بمستوى تقاسم الأعباء في المنطقة.»
تتولى مديرية الاستراتيجية والتخطيط والسياسة التابعة للقيادة المركزية الأمريكية إدارة شعبة لمكافحة أسلحة الدمار الشامل، تُعنى بفعاليات بناء القدرات مع وحدات مكافحة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية في الدول الشريكة.
أُجريت فعاليات التمرين بين القوات اللبنانية والأمريكية على مدار أسبوع كامل في قبرص لتبادل الممارسات المُثلى في واحدٍ من المجالات التي تتزايد أهميتها. فمن المعروف أن الإرهابيين والعناصر الهدَّامة تعمل على تصنيع واستخدام عوامل بيولوجية أو كيميائية أو إشعاعية يمكن أن تُسفر عن خسائر بشرية فادحة.
تتألف سرية الوقاية من أسلحة الدمار الشامل اللبنانية من 40 فرداً، وتتبع فوج الهندسة في الجيش اللبناني، وقد تأسست في عام 2009 بدعمٍ من الشركاء الأمريكيين والأوروبيين من حيث الخبرات والتمويل. وقد كان القادة اللبنانيون متخوفين في بادئ الأمر من زيادة الأعباء المالية على لبنان بإنشاء مثل هذه الوحدة في ظل الصراعات الإقليمية والأزمة الاقتصادية المتكررة، لكنهم أيقنوا بعد ذلك أنها تؤتي ثمارها.
فقد أثمرت هذه البصيرة في آب/أغسطس ،2020 حين تسبب انفجار مرفأ بيروت، وهو من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، في تسرب مواد كيميائية سامة بالقرب من المراكز السكانية للعاصمة اللبنانية. فتمركزت سرية الوقاية من أسلحة الدمار الشامل في الخطوط الأمامية في أثناء الكارثة.
وقال الرائد زياد أبو ملهب، آمر السرية: «إن وجود سرية لمكافحة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية أشبه بتأمين السيارة، لا تشعر بحاجتك إليه إلا عندما تحتاج إليه. فاحتمالية حدوث هذه التهديدات ضئيل، لكن خطرها شديد.»
ركز التدريب القبرصي بين لبنان والولايات المتحدة على التهديدات الإشعاعية والكيميائية. وعُقدت ورشة للخبراء المتخصصين في «مركز قبرص لأمن البر والبحر والموانئ»، بقيادة قوات الدفاع الكيميائي والبيولوجي والإشعاعي والنووي بالتعاون مع الحرس الوطني للجيش الأمريكي من ولاية ميسيسيبي، تناولت التطورات التي حدثت في مجالات المراقبة والاستطلاع والاستجابة والتطهير والرعاية الطبية.

وتناوبت المحاضرات مع تدريبات على التهديدات الإشعاعية والكيميائية، شارك فيها 12 جندياً من الجيش اللبناني، ارتدوا معداتهم واستجابوا لسيناريوهات من حالات الطوارئ. وشارك فيها أيضاً فريقٌ قبرصي متخصص في مكافحة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، مؤلف من خمسة رجال وامرأة.
وكانت الملوثات هي عينات من مصادر إشعاعية للكشف الواقعي عن المخاطر الإشعاعية وتحديدها. واستُخدمت للأسلحة الكيميائية أدوية البرد، والكولونيا، وكرات النفتالين، ومرهم الجلد، إذ تنبعث منها كمية كافية من البخار لتفعيل أجهزة الكشف الحديثة وإعطاء قراءة إيجابية وهمية.
قال النائب ضابط درجة ثالثة توني رايلز، وهو من كبار أعضاء الفريق الأمريكي المعني بالتعامل مع هذه التهديدات: «لقد استخدمنا مصدراً حقيقياً للإشعاع، لكنها كمية ضئيلة وغير ضارة؛ فهذه الكواشف شديدة الحساسية.»
وقد أُخفيت بعض العينات داخل حاويات شحن في موقع مركز التدريب القبرصي. على غرار الحاويات الموجودة على متن السفن، وكانت عبارة عن بيئة واقعية وغير مألوفة للمشاركين لاستكشافها. ووُضعت ملوثات أخرى داخل شاحنة صغيرة مركونة على غرار مركبة تركها إرهابيون أو مجرمون.
أتاحت هذه الفعالية المشتركة للفريق اللبناني فرصة لإشراك العناصر الجديدة في العمل مع الفريق الأمريكي. ولتوجيه العمليات، أنشأ الملازم ربيع عشقوتي، من الجيش اللبناني، مركزاً للقيادة والسيطرة بالتعاون مع رايلز الأمريكي؛ وذلك لجمع المعلومات الاستخبارية، وتقديم التوجيه والإرشاد، والحفاظ على الاتصالات، ومتابعة تقدم الفرق الميدانية.
وعقب تفتيش الشاحنة، حدد الفريق اللبناني مواقع الأجسام التي تصدر إشعاعات. وأكدت المناقشات بين الفريقين اللبناني والأمريكي على أن الممارسات المُثلى تتطلب العمل الثنائي، حتى إذا تعرض أحدهم للتلوث أو الإجهاد الحراري الشديد يكون زميله جاهزاً لمساعدته.
اعتاد الرائد ملهب العمل في ظل شح الموارد المالية، كسائر المتخصصين في الوقاية من التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، لكنه ممتنٌ لتبادل المعرفة مع الخبراء في هذا المجال. وتتمتع السرية اللبنانية بسجل حافل بالمهام الحساسة، وترحب بأي فرصة لتعزيز قدراتها في هذا المجال.
قال الرائد ملهب: «كان انفجار المرفأ نقطة تحول كبيرة. فلم تكن قضية التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية من الأولويات قبل ذلك.»
سرية الوقاية من أسلحة الدمار الشامل اللبنانية: درعٌ صامد أمام التهديدات المهلكة
كثيراً ما يستعين لبنان، على صِغر مساحته، بمهارات وحدته العسكرية المتخصصة في مواجهة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية.
فهذه السرية التابعة للجيش اللبناني تستجيب لحالات الطوارئ المدنية والعسكرية على السواء، تماشياً مع عقيدة الجيش القائمة على التعاون المدني العسكري. وهي تابعة لفوج هندسة متخصص في إزالة الألغام وتفكيك القنابل.
وضمت عند تشكيلها في عام 2009 نخبةً من ضباط الصف من تخصصات مختلفة، وتضم حالياً 40 فرداً من الجنود والضباط. وكان الاتحاد الأوروبي أول من تولى تجهيزها، إذ وفَّر لها 40 بدلة واقية للتعامل مع المواد الخطرة، فضلاً عن أجهزة لكشف المواد الكيميائية والإشعاعية.
والرائد زياد أبو ملهب، آمر السرية، حاصل على شهادة عليا في الكيمياء، وفيها أفرادٌ حاصلون على شهادات في علم الأحياء.

فيما يأتي بعض حالات الطوارئ التي حدثت في لبنان واستدعت تدخل هذه السرية للاستفادة من خبراتها:
- انفجار مرفأ بيروت: في 4 آب/أغسطس 2020، تصاعدت سحابة ضخمة على شكل فطر في سماء مرفأ بيروت جرَّاء انفجار 2,750 طناً من نترات الأمونيوم كانت مخزنة في مستودعات المرفأ. وأودت الكارثة بحياة المئات ودمرت أكثر من 40,000 منزل وشقة ومتجر ومكتب. وكانت اختباراً حقيقيا لمهارات السرية التي انشغلت باحتواء الملوثات الناجمة عن الانفجار. فقامت بتحديد مواقع المواد الخطرة في الموقع، كالألعاب النارية والغازات السامة والسوائل القابلة للاشتعال ومبيدات الآفات وجردها واحتوائها.
- تلوث صوامع الحبوب: كانت تداعيات انفجار المرفأ وخيمة لدرجة أن الحبوب المخزنة في الصوامع المتضررة داخل المرفأ تعرَّضت حتى بعد مرور سنوات لمياه الأمطار، فتخمَّرت وتحولت إلى كحول الميثيل) الميثانول) القابل للاشتعال. فانهارت الصوامع وانبعثت منها أبواغ سامة، فاستُدعيت السرية للمساعدة في احتواء التلوث.
-
ملابس داخلية مشعة: في واقعة تتعلق بتلوثٍ بموادٍ نووية، اكتشفت الكتيبة الإيطالية الملحقة بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة صناديق مهربة تحتوي على ملابس داخلية رجالية صُنعت في الصين، وقد حِيكت في ثناياها حبيبات من مادة «الثوريوم» المشعة. وكان يُسوَّق لها بطرق مضللة على أنها وسيلة لمنع إشعاعات الهواتف المحمولة من التأثير على خصوبة الرجال. فتدخلت السرية ووضعت هذه الملابس المهربة في حاويات محكمة الإغلاق مصنوعة من الرصاص.
- عطور غير قانونية: استُدعيت السرية للتحقيق في عطور مُصنَّعة بطريقة غير مشروعة تحتوي على مواد كيميائية، يُمكن أن تصير، إذا توفر سوء النية، مواداً أولية لتصنيع المتفجرات. ويسعى لبنان إلى تنظيم استيراد المواد الكيميائية ذات الاستخدام المزدوج، مثل: المواد المستخدمة في صناعات العطور ومستحضرات التجميل.
- تفكيك قذائف مدفعية: ساعد عناصر من السرية فريقاً عسكرياً متخصصاً في تفكيك القنابل لإبطال مفعول ذخائر عُثر عليها مخبأة في جنوب لبنان. وإذا بقذيفة مدفعية بدت خامدة تنفجر فيهم، ما أسفر عن مقتل خمسة جنود وإصابة أحد عناصر السرية بجروح بالغة، ففقد إحدى عينيه وكُسرت ساقه.
- معدات بترول مشعة: عُثر على أحد شواطئ لبنان على صندوق عليه علامات إشعاعية، كان يحتوي على جسم مجهول. فأُرسلت السرية للتحقيق في الأمر. فاكتشفت أن المعدات، التي مُحي رقمها التسلسلي، كانت تستخدمها شركات نفط وغاز تعمل في البحر المتوسط. وكشفت الاختبارات أن مستويات الإشعاع المنبعثة من المعدات لا تُشكل خطراً يُذكر على المدنيين.
- المواطن الذي كان يزرع الفطريات: أثار رجلٌ لبناني لديه أطباق بتري زجاجية (مخصصة للمختبرات) في منزله مخاوف من قيامه بزراعة مواد بيولوجية سامة. وكشف تحقيق أجرته السرية أنه كان يزرع فطر الطعام، ربما لبيعه في صورة مخدر مؤثر على العقل.
