ظلت إيران طيلة أشهر من عام 2026 تهاجم سفناً تجارية ترفع أعلام عشرات البلدان في مضيق هرمز بالصواريخ والمسيَّرات. إن عسكرة هذا المضيق وأي محاولة لفرض رسوم على الملاحة الآمنة فيه نذير خطر على أمن وازدهار الشرق الأوسط والعالم أجمع. ذلك لأن إيران ليس لها سيادة مطلقة على المضيق، وفرض رسوم على عبوره انتهاكٌ للقانون البحري الدولي.
ففي 8 آب/أغسطس ،2026 شنَّت إيران هجوماً صاروخياً على سفينة تجارية إماراتية عزلاء كانت تعبر مضيق هرمز. فسارعت الإمارات إلى استنكار «الهجوم الإيراني العدائي» واتهمت طهران بالقيام بـ «أعمال قرصنة» .ثم شنَّت إيران بعدها هجماتٍ مماثلة على سفنٍ تجارية من جبل طارق واليابان وليبيريا ومالطا وجزر مارشال وبنما وتايلاند، ولا غاية لها سوى فرض سيادتها على مضيق هرمز.
وفي أواخر آذار/مارس ،2026 طالبت إيران الولايات المتحدة بالاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز. ثم أقرَّ برلمانها خطة لفرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، وذلك لفرض «سيادة إيران» عليه، علماً بأن خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يمر عبره. ومطلب إيران لا يدل إلا على لبس جوهري في فهم القانون البحري الدولي أو تعمُّد إساءة تفسيره، ماقد يفضي الى تداعيات كارثية.
فمضيق هرمز من الممرات المائية الدولية الحيوية، ويسري عليه حق العبور، أي يجوز المرور فيه على سطح الماء وفي الأجواء وتحت سطح الماء؛ أي بالسفن والطائرات والغواصات. وفرض رسوم أو ضرائب، أياً كان اسمها، على عبوره إنما يخالف القواعد المنظمة للمضائق الدولية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. والأدهى من ذلك أن إيران إذا نجحت في تحويل ممر مائي دولي إلى مياه إقليمية عنوة، فإنها بذلك تُرسّخ سابقةً لغيرها لفرض سيطرة غير شرعية على الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق باب المندب الواقع بين اليمن وجيبوتي.

ولا بدَّ من المجاهرة بالاعتراض على هذا السلوك غير القانوني والعدواني لأنه ينذر بتقويض الاستقرار الإقليمي على حساب أمن العالم وازدهاره.
ينص الفصل الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المواد من 34 إلى 45، على النظام القانوني للمياه التي تشكل مضائق مستخدمة للملاحة الدولية. وتُعرِّف المادة 37 نطاق الجزء الثالث بأنه ينطبق على المضائق «المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة». وينطبق الجزء الثالث من الاتفاقية بلا شك على مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب.
تنص الاتفاقية على حق المرور العابر في المادة 38 منها، الذي ينطبق على «جميع السفن والطائرات» ويُجيز المرور «المتواصل والسريع» عبر المضائق الدولية. ويشمل ذلك المرور تحت الماء للغواصات والتحليق فوقها للطائرات؛ وهي حقوق غير موجودة في المياه الإقليمية العادية.
وتنص الاتفاقية صراحةً في المادة 44 على واجبات الدول المشاطئة للمضائق الدولية. فيجوز لها أن تضع لوائح تتعلق بسلامة الملاحة ومنع التلوث، لكنها «لا تعيق المرور العابر» .فيجوز إذن لإيران وسلطنة عُمان وضع لوائح ثنائية للسلامة، ولكن لا يجوز لأي منهما عرقلة حرية الملاحة في المضيق. ولا تُجيز الاتفاقية للدول المشاطئة أن تدعي سيادتها على مضيق يُستخدم للملاحة الدولية أو فرض رسوم أو ضرائب على السفن التي تمارس حق المرور.
يبلغ عرض مضيق هرمز نحو 24 ميلاً بحرياً عند أضيق نقطة فيه بين إيران وعُمان. وكلٌ منهما يدعي سيادته على مياه إقليمية تمتد 12 ميلاً بحرياً، أي إن المياه الإقليمية لكلٍ منهما تتداخل في أضيق نقطة منه. ويُنشئ هذا التداخل في الأحوال العادية ممراً مائياً إقليمياً يخضع لحق المرور البريء الخاضع لقيود أشد. إلا أن بروتوكول المرور العابر المنصوص عليه في الجزء الثالث من الاتفاقية يَجُب إجراءات المرور البريء لأن المضيق يُستخدم للملاحة الدولية بين منطقتين اقتصاديتين خالصتين.
وفي هذه الحالة، لكلٍ من إيران وعُمان منطقة اقتصادية خالصة تمتد حتى 200 ميل بحري من سواحلهما، حسبما تجيزه الاتفاقية. ويربط المضيق هاتين المنطقتين بأعالي البحار ومناطق اقتصادية خالصة أخرى، وهنا يسري حقوق المرور العابر. وقد وُضع هذا الإطار القانوني تحديداً لمنع الدول المشاطئة من استغلال الممرات البحرية لفرض رسوم أو قيود أحادية الجانب على الملاحة الدولية.
لا يوجد في القانون الدولي أي سند قانوني يجيز لإيران الرسوم التي تقترحها. فصحيحٌ أن مصر تفرض رسوماً على المرور عبر قناة السويس، إلا أن قناة السويس قناة صناعية، شقتها الحكومة المصرية وتتولى إدارتها، وليست مضيقاً طبيعياً. وصحيحٌ أن الدنمارك فرضت رسوماً على المرور عبر المضائق الدنماركية، لكنها ألغتها في عام 1857 على إثر احتجاجات دولية.
ومطالبة طهران بسيادتها على المضيق ما هي إلا تكتيك ملتوٍ لفرض سيطرة غير شرعية بخطوات تدريجية. فهي تتحدث عن هجماتها بالصواريخ بالمسيَّرات على أنها «ترتيبات أمنية» لتنظيم «طرقها الملاحية المفضلة»، وتتحدث عن الرسوم على أنها تدابيرٌ لضمان «سلامة الملاحة»، وإنما تحاول بذلك إخفاء الإكراه بالقوة تحت ستار القانون. وكل رضوخ لمزاعمها التي لا أساس لها بالسيادة أو قبول ضمني لها ينذر بإضفاء الشرعية عليها ويجعل منها أمراً واقعاً.
وبروتوكول المرور العابر مرآة للقانون الدولي العرفي الملزم لجميع البلدان. والعالم أجمع يلتزم باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ويعتبرها من القانون الدولي العرفي. وقد أقرت محكمة العدل الدولية في قضية قناة كورفو في عام 1949 أن المضائق الدولية تخضع لقواعد خاصة تكفل حرية الملاحة. وأكدت مراراً وتكراراً أن القانون الدولي العرفي ملزم لجميع البلدان، ومنها البلدان غير الموقعة. ومن ثمَّ لا يجوز لإيران أن تتملص من الحق الدولي في المرور العابر بعدم تصديقها على هذه الاتفاقية التي وقعت عليها في عام 1992 أو تستغني عن القانون الدولي بنظام سيطرة جديد تديره بنفسها. بل يجب على المجتمع الدولي أن ينظر إلى ما تطلبه إيران لا على أنه قضية شرق أوسطية منفصلة، بل على أنه تهديدٌ مباشر للنظام البحري الذي يعتمد عليه الازدهار والأمن الإقليميان.
فلا يوجد أساس قانوني لمطالبة إيران بالسيادة على مضيق هرمز. والاعتراف بها، أو الرضوخ لفرض الرسوم، أو التزام الصمت حيالها، لان ذلك يقوض حرية الملاحة التي تُشكل أساس التجارة والأمن العالميين، ويُشجع على تكرار ذلك في مضائق أخرى. وكما قال ماركو روبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة، قبل سعي إيران لفرض هذه الرسوم، فإن مثل هذا النظام «ليس غير قانوني فحسب، بل وغير مقبول، وخطرٌ على العالم».
فلا بدَّ من الالتزام ببروتوكول المرور العابر للحفاظ على الحرية والأمن والازدهار في الشرق الأوسط والتأكد من تدفق التجارة بحرية عبر الممرات البحرية الحيوية في العالم.
