هناك سؤال يتجنّبه الكثيرون في النقاش الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، رغم أنه قد يكون السؤال الأكثر أهمية على الإطلاق.
لو امتلك النظام الإيراني سلاحًا نوويًا، هل سيتردد في استخدامه أو تسليمه لإحدى ميليشياته المنتشرة في المنطقة؟
هذا السؤال ليس افتراضيًا. إنه اختبار حقيقي لفهم طبيعة هذا النظام وسلوكه منذ عام 1979.
على مدى 47 عامًا، قدّم النظام الإيراني نفسه كقوة تعمل على تصدير مشروعهرالقائم على تصدير الثورة والموت والدمار عبر الفوضى المسلحةربدلًا من أن يكون دولة تسعى للاستقرار أو الشراكة الإقليمية.
استثمرت طهران مئات المليارات من الدولارات في بناء شبكة عابرة للحدود من الميليشيات، وتزويدها بالصواريخ والطائرات المسيّرة والتدريب والتمويل.
في لبنان، عانت الدولة من عجزها عن نزع سلاح حزب الله الذي زودته به ايران.
وفي العراق، أُضعفت سيادة الدولة تحت ضغط الميليشيات المسلحة المدعومة من قبل ايران.
وفي سوريا، قُتل مئات الآلاف من الناس مع تدفق الميليشيات المدعومة من إيران عبر الحدود، محوّلة البلاد إلى ساحة صراع إقليمي.
وفي اليمن، أدى دعم إيران لانقلاب الحوثيين إلى حرب طويلة دمّرت الاقتصاد ودَفعت ملايين الناس إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة، وحوّلت جغرافيا اليمن إلى منصة لاستهداف التجارة الدولية والممرات البحرية.
هذا السجل ليس سلسلة من الأخطاء السياسية أو التدخلات المحدودة. إنه نمط استراتيجي متكامل قائم على مبدأ واضح: توسيع النفوذ الايراني عبر الميليشيات وتحقيق المكاسب عبر الفوضى.
وما يجعل القضية النووية أكثر خطورة هو البعد الأيديولوجي للنظام الإيراني. نظام يملأ خطابه الرسمي بشعارات الموت والعداء، ويقدّم الصراع كجزء من هويته السياسية. ولا يمكن تقييم نهجه الاستراتيجي وفق المعايير التقليدية التي بُنيت عليها نظريات الردع النووي.
تفترض نظريات الردع الكلاسيكية أن الدول، مهما بلغت خلافاتها، تسعى في النهاية لتجنب الدمار.
لكن بدلا عن ذلك، بنى النظام الإيراني استراتيجيته على السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل عبر تطوير برنامجه النووي، وأنظمة الصواريخ الباليستية، وقدرات الطائرات المسيّرة، ووكلائه المسلحين ماوراء حدوده.
هذه الحقيقة وحدها تخلق معضلة استراتيجية خطيرة.
فلو امتلكت إيران سلاحًا نوويًا، لن يكون السؤال فقط: هل ستستخدمه الدولة؟
بل سؤال لايقل خطورة: هل يمكن أن تنتقل هذه القدرة، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إحدى شبكاتها المسلحة؟
تاريخ النظام الإيراني لا يقدم أي سبب مطمئن للاعتقاد بأن هذا الاحتمال غير وارد.
لقد نقلت طهران بالفعل تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المتقدمة إلى ميليشياتها الإرهابية على مدى السنوات. ومع كل جولة صراع في المنطقة، تنتشر هذه القدرات أكثر.
تخيل للحظة الشرق الأوسط في ظل هذا الواقع: نظام يمتلك سلاحًا نوويًا، وشبكة من الميليشيات العابرة للحدود مشتبكة في صراعات مفتوحة في عدة دول.
في مثل هذا السيناريو، لن يبقى السلاح النووي مجرد أداة ردع تقليدية. قد يصبح عنصرًا جديدًا في حروب طهرانروحروب وكلائها.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
العالم اليوم لا يواجه فقط مسألة انتشار نووي تقليدي، بل احتمال ظهور نموذج جديد لانتشار السلاح النوويرعبر شبكات مسلحة غير تابعة للدولة.
هذا الاحتمال وحده يجب أن يغيّر طريقة تعامل المجتمع الدولي مع النظام الإيراني.
القضية لم تعد تتعلق بالبرنامج النووي أو مستويات التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل تتعلق بطبيعة النظام الساعي لامتلاك هذا السلاح.
نظام قضى عقودًا في بناء الميليشيات وتقويض استقرار الدول لن يتحول فجأة إلى قوة مسؤولة بمجرد حصوله على سلاح نووي.
بل على العكس، قد يمنحه امتلاك هذا السلاح شعورًا أكبر بالحصانة ويشجعه على توسيع أنشطته في المنطقة تحت مظلة الردع النووي.
وفي تلك الحالة، لن تكون منطقة الشرق الأوسط وحدها المعرضة للخطر.
