تقول حكمةٌ شعبيةٌ عربية: سلادواء للجرب إلا الكي.ز وهذه الحكمة ليست مجرد كلام قديم، بل قانونٌ صارمٌ في الطب والحياة والسياسة. فعندما يستفحل الداء، فلا يؤدي التردد إلا إلى انتشاره.
وتُعلِّمنا الحكمة كذلك أن سالوقاية خيرٌ من العلاج.ز وهذا يعني شيئاً واحداً لدول الخليج العربي: يجب ألا ننتظر إلى أن يتأزم التدخل الأجنبي، بل يجب أن تصير لدينا مناعة ذاتية قوية، قادرة على كشف النفوذ الخارجي وعزله والتخلص منه قبل تغلغله في الجهاز السياسي.
تواجه دول الخليج تحديات حقيقية ومتغيرة مصدرها جهاتٌ أجنبية تسعى إلى النيل من الوحدة الوطنية، واستغلال الانقسامات الاجتماعية، وإضعاف السيادة. وهذه التحديات ليست جديدة، لكنها تطورت وأصبحت أكثر تعقيداً. وقد أثبتت التجارب أن بعض الأساليب التقليدية في التعامل مع هذه التحديات ما عادت كافية.
يقدم هذا المقال رؤية متكاملة لبناء مناعة وطنية خليجية، تستند إلى أربع ركائز أساسية: القوانين المستنيرة، والتعليم الوطني، والإعلام المسؤول، والوحدة الخليجية الحقيقية.
المناعة الوطنية
يستخدم النظام الإيراني وشبكاته أدواتٍ شتى لفرض نفوذه في المنطقة، منها تمويل الوكلاء، والتجنيد، والتعبئة الفكرية، والتحريض الطائفي، والتهريب، والتضليل، والترهيب السياسي.
ولا تخدم هذه الشبكات أي طائفة أو قومية أو مجتمعاً بعينه، بل هدفها النفوذ. وتتميز بالتزامها بأجندة طهران، وعدم السماح بأي معارضة.
وكثيراً ما يكون المواطن الخليجي المخلص ذ سنياً أكان أم شيعياً، عربياً أكان أو عجمياً ذ أول ضحايا هذه الاستراتيجية. فقد يجد نفسه متهماً لمجرد انتمائه المذهبي، وهو بريء، وقد يجد آخر نفسه متورطاً في شبكات التمويل والتجنيد دون أن يدري. ولذلك، فإن حماية الوطن تعني حماية كل أبنائه المخلصين من الشبهات والاستغلال والانقسام.
تتطلب المناعة الوطنية تجفيف منابع الفتنة وإغلاق المجال أمام أنشطة الوكلاء، وتوضيح مبدأ واحد بشكل قاطع، وهو أن الولاء للوطن غير قابل للمساومة.
ولا يمكن تحقيق ذلك بالأحاديث الدبلوماسية الرنانة، ولا بالعقوبات المخدرة، ولا بالتسويات المؤقتة، بل بإجراءات وطنية صارمة وقانونية ومنسقة تُظهر أن السيادة ليست مجرد شعار، بل خطٌ أحمر.
الوحدة الخليجية الحقيقية
العدو يهاجم نقطة الضعف في خصمه، والدول المنفردة أضعف من الدول المتآلفة، إذ يمكن الضغط عليها أو عزلها أو استهدافها، أما الدول المتآلفة فيصعب اختراقها وكسر شوكتها. والوحدة الخليجية لم تعد رفاهية، بل ضرورة وجودية. ويجب أن تقوم على الآتي:
مركزٌ أمنيٌ واستخباريٌ: آليةٌ لتبادل المعلومات الاستخبارية في لحظتها، وتقييم التهديدات، والاستجابة المنسقة من دون انتظار القنوات الدبلوماسية البطيئة.
أُطرٌ قانونية وعقابية: لا ينبغي لمن طُردوا أو عوقبوا أو فُضح أمرهم في دولة خليجية أن يجدوا ملاذاً آمناً في غيرها.
نظامٌ للرقابة المالية: يجب تتبع قنوات التمويل المستخدمة لدعم الميليشيات أو الوكلاء أو التنظيمات الموجهة من الخارج والقضاء عليها في كل دول الخليج.
استراتيجيةٌ إعلامية: رسالةٌ عامة، وسرديةٌ مشتركة، وهدفٌ استراتيجيٌ واحد لمواجهة التدخل الخارجي.
وحدةٌ كهذه ستغير المعادلة، إذ ستعرف إيران أن اختراق دولة هو اختراق للكل، وسيكون الرد جماعياً.

الجذور التاريخية للعداوة الإيرانية
لا يمكن فهم سلوك إيران الإقليمي بالنظر إلى السياسة المعاصرة وحدها، فهو يتشكل أيضاً من خلال الذاكرة الإمبراطورية القديمة، والقومية الفارسية، واستخدام النظام للأيديولوجية لبسط نفوذه خارج حدوده.
وكثيراً ما بُنيت هوية الدولة الإيرانية على مناقضة محيطها العربي منذ أيام الإمبراطورية القديمة وحتى التحول الصفوي في القرن السادس عشر، فلم يكن اعتناق الصفويين للشيعة الاثني عشرية تحولاً دينياً فحسب، بل وبات لفتة سياسية تفصل إيران عن العالمين العربي والعثماني.
ولا يزال النظام الإيراني يخلط بين الأيديولوجية الثورية والقومية الفارسية والتعبئة الطائفية لتبرير تدخله في الشؤون العربية، تارةً بالشعارات الإسلامية، وتارةً بالمقاومة ومعاداة الغرب أو التظلمات التاريخية. لكن لا يتغير الهدف، وهو بسط النفوذ وإضعاف السيادة العربية.
وعلى دول الخليج أن تتحرك تحركاً استراتيجياً لا عاطفياً. وعليها أن تُدرك العمق الأيديولوجي للخطر الذي يواجهها، وأن تتجنب الوقوع في الفخاخ الطائفية التي تسعى طهران لاستغلالها.
الدروس المستفادة من معركة ذي قار
قبل الإسلام، اجتمع في بطحاء ذي قار زعماء بني بكر وتغلب وشيبان وغيرهم بعد خلافات قبلية دامية، وواجهوا جيشاً فارسياً قوياً ومدججاً بالسلاح، لكنهم انتصروا لأنهم أعلوا كرامتهم على ما بينهم من فرقة وانقسام.
والدرس المستفاد من ذلك ليس الكراهية، بل الوحدة؛ فوحدتهم أذابت خلافاتهم، فالقبائل التي كانت تتقاتل بالأمس، وقفت صفاً واحداً أمام العدو الفارسي عندما تهددت كرامتها. واليوم، يجب على دول الخليج أن تتجاوز التنسيق الرمزي نحو تكامل استراتيجي حقيقي.
وليس الهدف من القوة معاقبة الأبرياء، بل التخلص من التهديدات، وكشف العملاء، وتفكيك الشبكات، والتصدي لانتشار التدخل الأجنبي.
ولم يكترث العرب في ذي قار بخلافهم على طرق التجارة والأموال بل ضحوا بها في سبيل عزتهم وكرامتهم. واليوم، ينبغي النظر إلى أي تكلفة اقتصادية لازمة لحماية سيادة الخليج على أنها استثمارٌ في الأمن الدائم.
ثمار الوحدة
عندما تتحد دول الخليج وشعوبها على قلب رجل واحد، وتجعل الولاء للوطن فوق أي ولاء آخر، فإن الأثر على موازين القوى الإقليمية سيكون عميقاً وحاسماً.
ستتضاءل قدرة إيران على الضغط على الدول الخليجية المنفردة، ولن تقدر على استهداف الدولة االأضعفب، وإنما ستواجه بكتلة واحدة بصوت واحد.
وسيكون الوكلاء والخلايا النائمة وقنوات التجنيد تحت ضغط استخباري منسق، وسيُعامل أي تهديد لدولة خليجية على أنه تهديدٌ للجميع.
وستُعطل الشبكات المالية التي تدعم الميليشيات وعمليات بسط النفوذ الأجنبي من خلال المراقبة والعقوبات وجهود إنفاذ القانون الموحدة.
وسيطمئن المواطن المخلص، سنياً أكان أم شيعياً، بأن الدولة تحميه من الاستغلال الأجنبي والشبهات الداخلية.
وستُسهم الاستراتيجيات التعليمية والإعلامية الموحدة في بناء جيل قادر على كشف التضليل، ورفض التبعية الخارجية، والدفاع عن الهوية الوطنية.
فالوحدة الوطنية تحول الخليج من افريسة سهلةب إلى اكتلة ردعب لا يمكن اختراقها؛ تخبر الأعداء أن اللعبة تغيرت، وصار الوضع يقوم على كشف التسلل، ومقاومة الإكراه، والدفاع عن السيادة على قلب رجل واحد.
الخاتمة
منذ عشرات السنين ودول الخليج تجرب أساليب شتى للتعامل مع التدخل الإيراني؛ كالحوار، والتسوية، والتسامح في مواقف معينة، والعقوبات المحدودة، والاعتماد على قوى خارجية لحمايتها. وربما أكسبتها هذه التدابير بعض الوقت، لكنها لم تنجِها من ذلك التهديد.
والدرس واضحٌ جلي: فلا يمكن التعامل مع التدخل الأجنبي للأبد، بل يجب احتواؤه وكشفه وتفكيكه.
ولا يحتاج الخليج إلى تصعيد متهور، بل إلى حزم منضبط. يحتاج إلى قوانين تحمي السيادة، وتعليم يعزز الهوية، وإعلام يكشف الخداع، ووحدة تحرم الأعداء من أي ثغرة يمكنهم استغلالها.
والحرب ليست الغاية، بل الغاية هي المناعة.
فيجب على الخليج العربي الذي يتمتع بالسيادة أن يُعلن رسالة واحدة: الولاء للوطن أساس المواطنة، ولن يُسمح لأي قوة أجنبية بتحويل مجتمعاتنا إلى ساحات نفوذ أو انقسام أو صراع بالوكالة.
