تتزايد موجة الاضطرابات في المجال البحري من المحيط الهادئ إلى المحيط الهندي، وصولاً إلى منطقة الخليج العربي، وصارت الأزمة الراهنة في مضيق هرمز السبب في حمل الخبراء الاستراتيجيين على الانشغال بالشؤون البحرية والاهتمام بها بعد أن كانوا منشغلين بتغليب الأمن البري على البحري.
يجدر بنا ألا ننظر إلى الأمن البحري بعينٍ عسكرية فحسب، بل وبعين تأثيره على الأوضاع الاقتصادية والأمن البشري. فالواقع أن الخليج، ولا سيما مضيق هرمز، يُعد من أكثر الممرات البحرية التي تتسم بحساسيتها الاستراتيجية في العالم، إذ يمر من مضيق هرمز أكثر من ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، وجزءٌ كبيرٌ من الغاز الطبيعي المُسال فضلاً عن الأسمدة والسلع الأساسية كالهيليوم.
ومنذ تصاعد الأحداث في نهاية شباط/فبراير 2026، انخفض عدد السفن التي تعبره بنسبة 90%. قد يبدو من السهل التسليم بحرية الملاحة البحرية، إلا أن ازدهار الأمم وتدفق التجارة العالمية ونمو الاقتصاد العالمي كلها مرهونةٌ بها؛ فالطرق البحرية تنقل الغالبية العظمى من التجارة الدولية، ولا يمكن لأي شبكةٍ من الطرق أو السكك الحديد أو النقل الجوي أن تحل محلها، فهذا النظام يربط المُنتِجين بالأسواق، وينقل المواد الغذائية والطاقة من قارةٍ لأخرى، وتقوم عليه الحياة اليومية لمليارات البشر.

إلا أنه ليس مضموناً، فتعطيل الممرات البحرية الحيوية لا يلبث أن يؤثر على سلاسل الإمداد والأسعار والطاقة والأمن والاستقرار الاقتصادي، ولا يقتصر هذا التأثير على منطقة بعينها، بل يشمل العالم أجمع. ومن ثمَّ فإن حماية الطرق البحرية ليست مصلحة وطنية فحسب، بل ومسؤولية دولية مشتركة.
ومن هذا المنطلق، تؤمن قطر إيماناً راسخاً بأن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه بالتدابير العسكرية وحدها، وإنما يتطلب نهجاً استراتيجياً شاملاً يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
- المحور الأول – الحوار وخفض التصعيد: لا يمكن نشر الأمن الإقليمي المُستدام دون عمل دبلوماسي وفتح قنوات اتصال بين جميع الأطراف المعنية. وفي هذا السياق، تؤكد قطر، بالتنسيق الكامل مع الشركاء الإقليميين، دعمها لجهود الوساطة الباكستانية التي تُشكل أكثر قنوات الحوار مصداقيةً وفعاليةً.
- المحور الثاني – احترام القانون الدولي: يجب أن تظل مبادئ ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار رمانة ميزان الإدارة البحرية؛ فحرية الملاحة وحماية الملاحة المدنية من المبادئ الأساسية الي يتوجب علينا التكاتف للحفاظ عليها. ولذلك ترفض قطر رفضاً قاطعاً تحويل الممرات المائية الدولية إلى أداةٍ للضغط السياسي. فإذا سمحنا بهذه السابقة، فإن ما حدث في مضيق هرمز يمكن أن يتكرر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أو في أي مكانٍ آخر. والمادة 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص بوضوح على أنه يُحظر على الدول المطلة على المضائق عرقلة المرور العابر (الترانزيت).
- المحور الثالث – التعاون الدولي والإقليمي: لا تستطيع أي دولة تأمين الممرات البحرية بمفردها، فتعقيد التهديدات المعاصرة يستلزم زيادة التنسيق بين الشركاء الإقليميين والحلفاء الدوليين. ولا يمكن السماح بتكرار الوضع في مضيق هرمز، ولن تألو قطر، بالتعاون مع شركائها، جهداً للتوصل إلى حلٍ سياسي مستدام يضمن تأمين هذا الممر المائي وفتحه على اتساعه.
إن أمن مضيق هرمز خاصةً والخليج العربي عامةً لا ينفصل عن الأمن العالمي، فما يحدث في مياهنا يؤثر على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، وعلى الاستقرار الدولي نفسه. وقد صارت منطقة الخليج بؤرة الأحداث، لكن تداعياتها لا تقتصر عليها، بل تطال دولاً بعيدة عن مسرح العمليات العسكرية، وضمان حرية الملاحة ليس أولوية إقليمية فحسب، بل وضرورة استراتيجية دولية.
هذا المقال مستلٌ من كلمة أُلقيت يوم 30 أيار/مايو 2026 في الدورة الـ 23 من «حوار شانغريلا»، وهو قمةٌ دوليةٌ لمناقشة شؤون الدفاع والأمن يقيمها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في سنغافورة.
