ليست الثقافة وحدها ما يجمع بين دول آسيا الوسطى ودول الخليج العربي، بل وتجمعهما مصلحةٌ مشتركة في نشر الأمن والرخاء في المنطقتين.
اجتمع وزراء خارجية دول آسيا الوسطى ودول مجلس التعاون الخليجي في الكويت في نيسان/أبريل 2025، وهو ثالث لقاء بينهم في سلسلة من اللقاءات الرامية إلى تعزيز العلاقات الاستراتيجية بينهم.
واستضاف الاجتماع السيد عبد الله علي اليحيا، وزير خارجية الكويت، ووصفه بأنه لحظة فارقة في تعزيز أواصر التعاون القائم على الاحترام المتبادل والأهداف والمصالح المشتركة.
وناقش المشاركون في القمة مختلف القضايا والفرص التي تهم المنطقتين، فضلاً عن تعزيز العلاقات بين مختلف الدول.
ركز وزراء الخارجية على توطيد التعاون في قطاعات شتى، كالحوار السياسي، والأمن الإقليمي، والتعاون الاقتصادي والتجاري، وتشجيع الاستثمار، وتطوير البنية التحتية للنقل، والاستدامة البيئية. وشملت الموضوعات الرئيسية الأخرى الأمن الغذائي والمائي، والبنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة.
كما تطرقوا إلى التطورات الجيوسياسية، ومنها الوضع في أفغانستان والتوترات الراهنة في الشرق الأوسط، وتنامي الروابط التاريخية والثقافية والإنسانية بين آسيا الوسطى ودول مجلس التعاون الخليجي.
التاريخ والثقافة والترابط
تعود العلاقات بين آسيا الوسطى والجزيرة العربية إلى أكثر من ألفي عام، شهدت خلالها الكثير من التغيرات المهمة، فقد ساهم طريق الحرير الذي أُنشئ في القرن الثاني قبل الميلاد في توطيد العلاقات التجارية بين المنطقتين، وكانت آسيا الوسطى من مراكز التجارة، إذ كان تجارها يبيعون للتجار العرب بضائع مثل الحرير والورق الصيني في سمرقند (في أوزبكستان حالياً) ويشترون منهم البخور والحُلي.
واصطبغت هذه العلاقة بصبغة روحية وفكرية عقب انتشار الإسلام في القرن الثامن الميلادي، وأمست مدنٌ مثل سمرقند وبخارى من حواضر العالم الإسلامي، وأنجبت أعلاماً أمثال الإمام البخاري والخوارزمي وابن سينا.
ثمَّ أصاب هذه العلاقات الوهن في القرن السادس عشر بسبب التحولات الجيوسياسية وازدهار التجارة البحرية، وزاد التباعد بين المنطقتين في القرن العشرين بسبب الاحتلال السوفيتي وعزلة آسيا الوسطى، ثمَّ بدأ فصلٌ جديد بعد استقلال دول آسيا الوسطى الحديثة عن الاتحاد السوفيتي في عام 1991.
وتطورت العلاقات بين المنطقتين على أربع مراحل، بدأت بإقامة العلاقات الدبلوماسية في تسعينيات القرن العشرين، ثمَّ توسيع نطاق التعاون ليشمل التجارة والاستثمار والمعاهدات بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثمَّ امتداد التعاون إلى الأمن والمحافل متعددة الأطراف في العقد الثاني من القرن، ثمَّ صارت الشراكة منذ عام 2021 أكثر تنظيماً، وتقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة، وتنامي الحوار السياسي، والروابط الثقافية.
وقد أسهمت أحداث بارزة في التأصيل لشراكة تبشر بأنها ستتسم بالرسمية والدوام أكثر من ذي قبل، مثل الاجتماع الوزاري في الرياض في عام 2014، وتوافق سمرقند في عام 2017، وقمة جدة في عام 2023 بين قادة دول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطى.
واستضافت العاصمة الأوزبكية طشقند قمةً بين دول آسيا الوسطى ومجلس التعاون في عام 2024، أسفرت عن تعزيز الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي والتعاون في مجال الطاقة، وجعلت من آسيا الوسطى، ولا سيما أوزبكستان، مركزاً مهماً للتجارة والشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج.
واستعرض اجتماع الكويت في نيسان/أبريل 2025 التقدم المحرز ورسم مستقبل هذه الشراكة المتنامية، ومن المقرر عقد قمة ثانية رفيعة المستوى بين آسيا الوسطى ومجلس التعاون في سمرقند.

التعاون الأمني
تنص خطة العمل المشترك بين مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى (2023-2027) على تنسيق الجهود في مجال الأمن الإقليمي. وقد اعتُمدت هذه الخطة خلال اجتماع طشقند في عام 2024، وتدعو إلى عقد اجتماعات دورية وورش مشتركة وتبادل المعلومات الاستخبارية لمكافحة التطرف والإرهاب والعنف والجريمة العابرة للحدود. وأفضت المناقشات إلى استدامة المشاورات بين أجهزة الأمن القومي.
وتعززت هذه الشراكة في الاجتماع الوزاري الأخير الذي عُقد في الكويت، إذ أكد المشاركون فيه على ضرورة العمل المشترك لمكافحة التطرف العنيف والإرهاب. وما هذا التوافق إلا ثمرة من ثمار تحول أوسع في الفكر الإقليمي، ففي آب/أغسطس 2024، دعا السيد قاسم جومارت توكاييف، رئيس كازاخستان، إلى وضع إطار أمني إقليمي جديد، على غرار نهج مجلس التعاون في الدفاع الجماعي القائم على نبذ الاستقطاب والانقسام الجيوسياسي.
وفي اجتماع نيسان/أبريل 2025، شدَّد اليحيا، وزير خارجية الكويت، على أهمية التشاور والتنسيق في مواجهة التحديات المشتركة، لا سيما في مكافحة الإرهاب والتهديدات السيبرانية وتمويل الجماعات المتطرفة. وأشاد بأمانة مجلس التعاون لجهودها في وضع آليات العمل المشترك، ونوَّه إلى أن الأمن والاستقرار من الركائز الأساسية للتعاون بين المنطقتين.
يستفيد اجتماع نيسان/أبريل من الزخم الذي حققه المؤتمر رفيع المستوى السابق بعنوان اتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب وبناء آليات مرنة لأمن الحدود – مرحلة الكويت من عملية دوشنبهب الذي استضافته الكويت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وعملية دوشنبه قد أطلقتها طاجيكستان ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في أيلول/سبتمبر 2018، وهي عبارة عن سلسلة متواصلة من الاجتماعات رفيعة المستوى غايتها مساعدة الدول، ولا سيما في آسيا الوسطى والخليج، على التعاون لمكافحة الإرهاب، وتحسين أمن الحدود، والتصدي للهجمات السيبرانية، وتجفيف منابع تمويل التطرف.
وكان المؤتمر ملتقىً حيوياً لتحسين الجهود الإقليمية لمكافحة الإرهاب، إذ اهتم بتبادل المعلومات الاستخبارية وتشديد أمن الحدود براً وبحراً وجواً، وأولى المنظمون اهتماماً خاصاً لتحسين سبل استخدام تقنيات المراقبة والتصدي لتمويل الإرهاب.
وينم عن حالة التوافق المتنامية بين دول مجلس التعاون وآسيا الوسطى بشأن التحديات الأمنية المشتركة وضرورة تشكيل استجابة إقليمية موحدة، ومن المتوقع لقمة سمرقند المقبلة أن تعضد هذه الشراكة الاستراتيجية.
الشراكة الاقتصادية
لا يفتر رجال الأعمال في الشرق الأوسط عن البحث عن فرص الاستثمار في آسيا الوسطى، مستغلين رغبتها في تقليل اعتمادها الاقتصادي على الصين وروسيا، وتسعى دول الخليج على بناء شراكات أستراتيجية، والمصلحة متبادلة بين الاثنين، إذ ترغب حكومات آسيا الوسطى في العمل مع مستثمرين موثوقين لا يبحثون عن المصالح الجيوسياسية، ومثال ذلك أن أوزبكستان استقطبت استثمارات تجاوزت 34 مليار دولار أمريكي من السعودية وتركيا، وتسعى بنشاط لإيجاد شركاء في مجال الطاقة النظيفة من دول الخليج.
إن النمو السريع في الروابط الاقتصادية والاجتماعية دليلٌ على قوة العلاقات بين آسيا الوسطى ومجلس التعاون، فقد تضاعفت استثمارات دول المجلس في آسيا الوسطى نحو ثلاثة أضعاف منذ عام 2022، واستثمر االبنك الإسلامي للتنميةب 9.1 مليار دولار أمريكي في رابطة الدول المستقلة، خُصص 60% منها لآسيا الوسطى، ويتزايد عدد السياح الوافدين على آسيا الوسطى من دول الخليج، ولا سيما من السعودية والإمارات.
وفي طيات هذه الموجة الجديدة من التعاون فوائدٌ جمة للطرفين، فهي تمثل لآسيا الوسطى فرصة للنهوض باقتصادها، وتمثل لدول الخليج وسيلةً لبسط نفوذها وزيادة أرباحها دون الانخراط فيما تعتبره تنافساً بين القوى العظمى. ولدول الخليج غايتان: تنويع اقتصادياتها القائمة على الموارد الهيدروكربونية، والاستثمار في اطريق النقل الدولي العابر لبحر قزوينب الذي يربط آسيا بأوروبا عبر بحر قزوين وجبال القوقاز، إذ تعتبره أسرع وأفضل من طرق النقل التقليدية.
وقد زار وزراء سعوديون كلاً من قيرغيزستان وكازاخستان، في إشارة إلى تنامي تمسكهم بالمنطقة. وتعهدت السعودية في عام 2024 بتقديم 20 مليار دولار من االصندوق السعودي للتنميةب لدعم مشاريع البنية التحتية الكبرى في كلا البلدين.

وفي نفس الوقت، تعمل شركة امصدرب وشركات إماراتية أخرى على إنشاء مشاريع ضخمة للطاقة المتجددة في قيرغيزستان وأوزبكستان. وأصبح ابنك أبوظبي الأولب من الممولين الرئيسيين لمشروع امحطة زرافشان لطاقة الرياحب في أوزبكستان، وهو مشروع بقدرة 500 ميغاواط، ويُعد الأكبر من نوعه في آسيا الوسطى. وفي كازاخستان، تُشغِّل امجموعة موانئ أبوظبيب الإماراتية عدداً من ناقلات النفط في بحر قزوين من خلال مشروع مشترك مع شركة النقل الحكومية الكازاخستانية. وتعهَّدت في عام 2024 بمساعدة كازاخستان على توسيع أسطولها البحري وتطوير بنيتها التحتية الساحلية. والأموال الضخمة التي تضخها السعودية والإمارات ستساعد آسيا الوسطى على دعم مشاريع لا تقتصر على البنية التحتية والطاقة، بل تشمل تكنولوجيا المعلومات والزراعة.
وتستثمر قطر أموالها شيئاً فشيئاً، فقد استحوذ ابنك لشاب القطري في عام 2024 على ابنك بيريكيب الكازاخي مقابل 134 مليون دولار، وهي أول مرة يستحوذ فيها مستثمرٌ خليجي على بنك في آسيا الوسطى بالكامل. كما خصص اصندوق قطر للتنميةب 50 مليون دولار لطاجيكستان لتمويل امحطة روجون للطاقة الكهرومائيةب، فضلاً عن استثمارات سابقة فيها من السعودية والإمارات والكويت.
وتنامي العلاقات بين قيرغيزستان وسلطنة عُمان دليلٌ على توسع التعاون بينهما، فقد اجتمع وزيرا خارجية البلدين في شباط/فبراير 2025 لاستكشاف فرص جديدة في التجارة والاستثمار والسياحة. واقترحت قيرغيزستان إنشاء لجنة حكومية مشتركة ومجلس أعمال مشترك لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات بين البلدين. كما دعا السيد جينبيك كولوباييف، وزير خارجية قيرغيزستان، سلطنة عُمان للمشاركة في امنتدى الاستثمار بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطىب القادم، وفي االقمة العالمية للجبالب لعام 2027. ويهتم كلا المنتديين بالأهداف الاقتصادية والمصالح الاستراتيجية المشتركة.
وقد اختُتم الاجتماع بين المسؤولين القرغيزيين والعُمانيين بتوقيع مذكرة تفاهم بشأن المشاورات السياسية، ماينم عن حرصهم على الحوار. وإن دعم عُمان لترشيح قيرغيزستان لعضوية مجلس الأمن الدولي، واهتمامها بتعزيز التعاون الثنائي، إنما يدل على التوجه الأوسع لدول مجلس التعاون لزيادة الاهتمام بآسيا الوسطى.
وبينما لا يزال حجم التبادل التجاري بين آسيا الوسطى ودول مجلس التعاون متواضعاً نسبياً، بنحو 4 مليارات دولار سنوياً، فإن فرص التوسع كثيرة، غير أن زيادة التجارة ستتوقف على تحسين البنية التحتية للنقل والإمداد والتموين التي تربط المنطقتين.
وإدراكاً منه لأهمية النقل، اقترح السيد شوكت ميرزاييف، رئيس أوزبكستان، تنفيذ امشروع السكة الحديدية العابرة لأفغانستانب خلال قمة جدة عام 2023، وتشير التقديرات إلى أن هذا المشروع يمكن أن يُقلل وقت النقل بنسبة تتراوح من 30 إلى 40% وتقليل تكاليف الإمداد والتموين بنسبة تتراوح من 15 إلى 20%.
وعلاوة على ذلك، فقد أعربت دول مجلس التعاون عن انفتاحها لدعم طرق النقل الكبرى، مثل السكة الحديدية بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان والسكة الحديد بين أوزبكستان وأفغانستان وباكستان. ومن شأن هذه المشاريع أن تفتح أبواب الأسواق العالمية أمام آسيا الوسطى.
ومع استمرار الاهتمام بالبنية التحتية والاستثمار في المشاريع، فإن التعاون بين آسيا الوسطى ودول مجلس التعاون يمكن أن يتحول من اتفاقيات متفرقة إلى شراكة إقليمية راسخة ومتينة، إلا أن ما يتشكل بين الاثنين لا يقتصر على التجارة، فهو إطار عمل للتوافق السياسي والاستراتيجي والاستقرار الإقليمي طويل الأمد. وسوف تسطر قمة سمرقند المقبلة فصلاً جديداً من فصول تعزيز العلاقات بين آسيا الوسطى ودول مجلس التعاون.
التحول الاستراتيجي لآسيا الوسط
تسعى دول آسيا الوسطى إلى تقليل تعويلها على الصين وروسيا، فتعمل أيضاً على تعزيز علاقاتها مع جنوب القوقاز، فجعلت من أذربيجان مؤخراً عضواً كامل العضوية في االاجتماع التشاوري السابع لرؤساء دول آسيا الوسطىب في طشقند.
واتفق قادة آسيا الوسطى على تحويل محفلهم التشاوري إلى مجموعة استراتيجية رسمية تُسمى امجموعة آسيا الوسطىب، ويعتزمون إنشاء مؤسسات دائمة، وأمانة عامة دورية، وتعزيز التنسيق الدبلوماسي. وهذا يُنشئ منطقة يصفها المسؤولون بأنها سمنطقة جيوسياسية وجيواقتصادية جديدةز قادرة على نشر الاستقرار.
وفي نفس الوقت، توطد الولايات المتحدة أواصر تعاونها مع آسيا الوسطى من خلال امجموعة سي 5+1ب، وركزت قمة واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، التي احتفلت بالذكرى الـعاشرة لهذه المجموعة، على المعادن الحيوية، ففي آسيا الوسطى ما يُقدَّر بنحو 25 من أصل 54 معدناً صنَّفتها الحكومة الأمريكية على أنها معادن حيوية، ومنها 43% من يورانيوم العالم في كازاخستان وحدها. وأفضت القمة إلى إبرام اتفاقيات ملموسة، منها اتفاقية بقيمة 4.2 مليار دولار بين كازاخستان وشركة اوابتكب الأمريكية لتصنيع سكك الحديد لتحديث أسطولها من القاطرات، ومذكرات تفاهم بشأن التعاون في مجال المعادن الحيوية.
وإذا نظرنا إلى كل هذه الشراكات المتنامية مع الدول العربية وأذربيجان والولايات المتحدة، لوجدنا أنها تُؤكد على تحول استراتيجي أوسع في السياسة الخارجية لآسيا الوسطى. إذ تسلك حكوماتها مساراً يبتعد عن تشابكات الحقبة السوفيتية؛ مسارٌ ينهض باقتصادياتها، ويعزز أمنها، ويقوي مرونتها الجيوسياسية.
