استخدمت الحكومات استراتيجيات شتى لمكافحة الإرهاب على مر الزمن، ولا يوجد قانون جنائي دولي أو شرطة دولية مخصصة لمكافحة الإرهاب، ولذلك رأت البلدان في المواجهة العسكرية خياراً عملياً، وهذا يستند إلى حقها الأصيل في الدفاع عن نفسها بعد أي هجوم مسلح، كما هو منصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وقد شاعت المواجهات العسكرية للتصدي للإرهاب أكثر من الماضي، فقد نوَّه الباحثون إلى أن الحكومات قلما استخدمت القوة العسكرية في الماضي، بل اكتفت بالشرطة والمحاكم لمكافحة الإرهاب.
غير أن بلدان كثيرة استخدمت استراتيجيات عسكرية متنوعة لمكافحة الإرهاب على مدى عقود من الزمان:
الحماية: استخدام العمل العسكري لحماية المدنيين ومساعدة الهيئات الوطنية على استعادة القانون والنظام في البلاد.
الضربة الاستباقية: استخدام القوة العسكرية لإحباط هجوم متوقع.
الردع: استعراض القوة العسكرية لمنع هجوم متوقع.
الانتقام: استخدام الرد العسكري للانتقام من هجوم وقع بالفعل.
الاغتيالات: اغتيال كبار قادة التنظيمات الإرهابية لضرب الأهداف الرئيسة وتفكيك التنظيمات الإرهابية وأنشطتها.
الحرب: استخدام القوات العسكرية في الحروب من أجل محاربة الإرهاب.
الحماية
تنطوي الحماية على توفير الأمن والحماية للمواطنين، واستعادة القانون والنظام، وإعادة بناء البنية التحتية والأنظمة الوطنية. ومن الناحية العملية، يمكن استخدام القوة العسكرية لمساعدة السلطات المدنية في مكافحة الأنشطة الإرهابية. ومن الأمثلة الفعالة للمساعدة والحماية العسكرية هو دور القوات العسكرية وشبه العسكرية في التعامل مع مهام إنقاذ الرهائن. ويمكن تصنيف هذه المهام بموضوعية بل الدفاع عنها أخلاقياً لأنها تستند إلى إطار دستوري وغطاء كافٍ من القانون.
منذ سبعينيات القرن العشرين، بدأت بعض الدول ممارسة العنف الإرهابي أو المشاركة فيه داخل الولايات المتحدة. ووفقاً للرأي العام الأمريكي، عادةً ما تُعتبر القوة إحدى أكثر الطرق فعالية لمحاربة الإرهاب بالإضافة إلى إرسال رسالة مفادها أنه لا يمكن تخويف الولايات المتحدة أو التلاعب بها بمثل هذه الأعمال الإرهابية.
وفي عام 1980، عندما استولى مجموعة من الطلاب الإيرانيين على السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا عدداً من الأمريكيين رهائناً، حاولت الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية لإنقاذ الرهائن وتهدئة الوضع. ولكن باءت المهمة بالفشل، وكان مما تترتب عليها هو إنشاء قيادة العمليات الخاصة الأمريكية، التي تشرف حالياً على قدرات العمليات الخاصة والتنسيق والتدريب لمختلف الفروع العسكرية وقوات مكافحة الإرهاب الأمريكية.
وبعد إطلاق سراح الرهائن في طهران، غيَّرت الولايات المتحدة سياستها في استخدام القوة ضد الإرهابيين من الدفاع إلى الهجوم، وتجلَّى ذلك عندما استهدفت القوات الجوية الأمريكية منشآت عسكرية رئيسية بعد أن وردت إليها معلومات استخبارية تفيد بأن إرهابيين متمركزين في ليبيا فجَّروا ملهىً ليلياً في برلين الغربية في عام 1986، ما أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين.
إن بعض التدابير المتخذة لمكافحة الإرهاب قد تدفع الحكومات إلى نشر أعداد كبيرة من القوات النظامية في الشوارع، لكن الوجود العسكري البارز قد يبث الخوف في النفوس ويقلل من شعبية الحكومات.
كما يمكن استخدام القوات المسلحة لحماية الأهداف التي يمكن أن يستهدفها الإرهابيون، كالبنية التحتية الحيوية والمنشآت والأفراد، ومن أمثلة ذلك تحصين السفارات وحماية الدبلوماسيين.

الضربة الاستباقية
تُعرَّف الضربة الاستباقية بأنها توجيه ضربة قبل وقوع هجوم محتمل، وهي تختلف عن الوقاية، إذ يُمكن اعتبار الوقاية إجراءً لضمان الحماية على المدى الطويل، بينما تتكون الضربة الاستباقية عادةً من عمليات قصيرة المدى. وقد ظهرت هذه الاستراتيجية بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وأكدت على الاستباقية الأمريكية لمكافحة التهديدات الإرهابية.
لطالما استخدمت الولايات المتحدة التهديد بالضربة الاستباقية لدرء الخطر، ومن الأمثلة على ذلك ما حدث بين عامي 1989 و1990، عندما حذرت الولايات المتحدة من أنها ستنشر قوة عسكرية لإغلاق مصنع الرباطة الكيميائي في ليبيا، إذ كان يُشتبه في أنه يُستخدم في إنتاج غاز الأعصاب (المصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل)؛ وقد نجح التهديد، وأُغلق المصنع بعد ذلك.
وبينما تبرز بعض سلبيات التدابير الاستباقية، فهناك من الباحثين والمحللين مَن يثمِّن نجاحاتها ويعتدُّ بأهميتها عندما يتعلق الأمر باغتيال القادة الرئيسيين للتنظيمات الإرهابية، وهنالك قضية أخرى تتعلق بمبرراتها وبُعدها الأخلاقي. فمن الأسهل تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب الاستباقية بناءً على معلومات استخبارية تحذر من هجمات محتملة تنفذها جماعات معينة، لكن هذه التدابير تخاطر بانتهاك القوانين والاتفاقيات الدولية.
الردع
يتضمن ذلك الحفاظ على وضع عسكري قوي لردع الجماعات الإرهابية وطردها. فقد أسفرت عملية «رمح نبتون»، التي نفذتها الولايات المتحدة في عام 2011، عن مقتل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة والمخطط لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. ونشرت مروحيات «بلاك هوك» وفرق البحرية الأمريكية للعمليات الخاصة (نيفي سيلز) عالية التدريب لتنفيذ هذه العملية في مجمع بمدينة أبوت آباد الباكستانية. وكانت غاية الولايات المتحدة منها توجيه رسالة واضحة عن عاقبة من يقومون بأنشطة إرهابية ويدعمونها على الأراضي الأمريكية. وأوهنت العملية قيادة تنظيم القاعدة ومعنوياته، وبرهنت على تصميم الولايات المتحدة على ملاحقة الإرهابيين.
كما أن امتلاك الدولة لجيش قوي وسجل حافل بالثأر من الهجمات يُعد رادعاً قوياً لمن تسول لهم أنفسهم القيام بأعمال إرهابية. ففي عام 1996، اقتحم إرهابيون مقر إقامة السفير الياباني في ليما بدولة بيرو، واحتجزوا دبلوماسيين وشخصيات أجنبية رهائن، وكان من بينهم مواطنون أمريكيون.
وانتشرت شائعة عن أن قوات المغاوير الأمريكية (قوة دلتا) قد نزلت في ليما وتستعد لمداهمة المنزل، فأطلق الإرهابيون سراح الرهائن الأمريكيين. أما البقية، فقد أنقذتهم القوات الخاصة البيروفية. وتبين بعد ذلك أن الشائعة كاذبة، لكن الكثيرين افترضوا أن الإرهابيين أطلقوا سراح الرهائن خشية التدخل العسكري الأمريكي.
ويرى بعض الباحثين أن الردع له عيوبه. أولاً، قد يؤدي إلى التحول والتغيير، بمعنى أن الدولة التي تكتسب صفة الردع قد تدفع الإرهابيين إلى تغيير مسار عملهم وتغيير هجماتهم إلى مواقع تبدو أوهن وأضعف؛ فقد يلجؤون مثلاً إلى الاختطاف بدلاً من التفجيرات الانتحارية. ثانياً، لا ينجح الردع دائماً في القضاء على الإرهاب على المدى الطويل، فقد لوحظ أن جهود عدد من البلدان لردع الجماعات الإرهابية لم تكن ناجحة تماماً، إذ لم تتردد جماعات إرهابية أخرى في شن هجمات.
الانتقام
على إثر تفجيرات القاعدة التي استهدفت السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا يوم 7 آب/أغسطس 1998، ما لبث الجيش الأمريكي أن قام بعملية انتقامية سُميت بعملية «الوصول اللانهائي»؛
وُضعت خطتها في غضون أسابيع قليلة من تفجيرات السفارتين. واختارت الحكومة الأمريكية أهدافاً محتملة لكسر شوكة القاعدة وبن لادن، ولتوجيه رسالة إلى العالم مفادها أن الإرهاب لن يقوض الولايات المتحدة ومؤسساتها.
فحددت الحكومة الأمريكية هدفين، أحدهما معسكر خوست لتدريب الإرهابيين الواقع على بُعد 161 كيلومتراً جنوب كابول في أفغانستان، إذ كانت أجهزة الاستخبارات والجيش الأمريكي تعتقد أن معسكر خوست على علاقة وثيقة بشبكة بن لادن الإرهابية.
كما كان يضم قياديين بارزين في القاعدة، وكانت هذه فرصة للحكومة الأمريكية للقضاء عليهم أيضاً. فأطلقت عليه البحرية الأمريكية يوم 20 آب/أغسطس 1998 عدداً من الصواريخ الجوَّالة (كروز) فدمرته.
وربما نجحت عملية «الوصول اللامتناهي» في إضعاف شبكة بن لادن الإرهابية على المدى القصير، إلا أنها لم تردع تنظيم القاعدة عن شن المزيد من الهجمات على الأراضي الأمريكية بعد ذلك.
الاغتيال
من الاستراتيجيات العسكرية الأخرى التي تستخدمها البلدان لإضعاف الجماعات الإرهابية والقضاء عليها هو اغتيال القياديين والإرهابيين البارزين.
وهنالك حالات حقق فيها الاغتيال بعض النجاح في محاربة الإرهاب، مثل عملية «رمح نبتون» التي استهدفت بن لادن، فقد أدى مقتله إلى إضعاف القاعدة، وربما تعطيل بعض الهجمات المستقبلية.
لطالما كانت فعالية اغتيال قادة الجماعات الإرهابية في مكافحة الإرهاب موضع نقاش بين الخبراء والباحثين، فيؤيدها كثيرون، ويستشهدون على ذلك بعملية «رمح نبتون»، ويؤكدون أن تصفية الصف الأول من القادة في التنظيمات الإرهابية تحد من قدراتها العملياتية، إذ تجعل تخطيط الهجمات التي تُسفك فيها الدماء أكثر صعوبة وتكلفة. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي «قطع الرأس» أيضاً إلى تطرف جماعة معينة ويصنع تأثيراً انتقامياً.
الحرب المطولة
نشبت في العقود القليلة الماضية حروبٌ متعددة ومواجهات عسكرية طويلة لمكافحة الإرهابيين. فعلى سبيل المثال، نفذت القوات الباكستانية عملية موسَّعة للقضاء على ملاذات الإرهابيين الآمنة داخل البلاد وتحسين الأمن العام في المنطقة.
وقد نفذ الجيش عملية «ضرب العصب» ضد حركة طالبان باكستان وتنظيم القاعدة وجماعات إرهابية أخرى في منطقة وزيرستان الشمالية. وبدأت القوات الباكستانية العملية في منطقة شمال وزيرستان والمناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية قرب الحدود الباكستانية الأفغانية. وقد نُفذت عملية «ضرب العصب» على إثر هجوم إرهابي دموي استهدف «مطار جناح الدولي» في كراتشي، وشارك فيها نحو 30,000 جندي باكستاني.
وتضمنت ضربات جوية منسقة، وهجمات برية، وعمليات تطويق وتفتيش. وكان لأجهزة الاستخبارات الباكستانية عظيم الأثر في تحديد الأهداف ومنع عمليات التمرد التي تقوم بها الجماعات الإرهابية. واستهدفت القوات الجوية الباكستانية في ضرباتها أوكار الإرهابيين في ميران شاه، عاصمة شمال وزيرستان.
أعقبتها معركة برية بين الجيش الباكستاني والمسلحين الإرهابيين، فنفذ هجمات عسكرية، ونفذ عمليات تطويق وتفتيش، شملت عزل المناطق المستهدفة، والقبض على المتمردين والأسلحة في المنطقة أو القضاء عليهم. وقد دار معظم القتال قرب الحدود الباكستانية الأفغانية، ولذلك بُذلت جهودٌ لتأمين الحدود ومنع تحرك الإرهابيين بين البلدين. وبحلول عام 2015، قُتل 2,763 إرهابياً، ودُمر 837 ملاذاً آمناً لهم.
وكانت العملية العسكرية التي نُفذت في وادي شوال المرحلة الأخيرة من عملية «ضرب العصب»، وقد اعتُبرت ناجحة في كسر شوكة الشبكات الإرهابية داخل باكستان. وسقط عددٌ كبيرٌ من قادة حركة طالبان باكستان بين قتيل وأسير. وتُعتبر هذه العملية مثالاً ناجحاً للمواجهة العسكرية في مكافحة الإرهاب، إلا أن المنطقة لم تسلم بعدُ من الأنشطة المتطرفة، ومواجهتها مسألة معقدة ومستمرة.
النتائج
على مر السنين، غيَّرت الحكومات نظرتها إلى استخدام القوة العسكرية في مكافحة الإرهاب. فلم يكن يُنظر إليها في النصف الثاني من القرن العشرين على أنها عنصرٌ أساسيٌ في محاربة الإرهابيين، وقدَّمت الولايات المتحدة الأساليب القانونية وتدابير الشرطة. إلا أن الحكومة الأمريكية بدأت تدريجياً في عسكرة نهجها مع نهاية القرن العشرين بعد أزمة الرهائن في إيران. وقد أدت هجمات 11 أيلول/سبتمبر إلى إدراك الحاجة إلى تدابير أقوى لمكافحة الإرهاب.
وقد ساهم استخدام الجيش في مهام إنقاذ الرهائن وتحصين السفارات في تقليل عدد القتلى في صفوف المدنيين والحد من فعالية الهجمات الإرهابية، إلا أن الوجود العسكري المكثف في الشوارع يمكن أن يؤجج الخوف ويضعف الثقة في عمليات مكافحة الإرهاب الحكومية.
ولا تزال الضربات الاستباقية مثار الجدل، فقد أسفرت العمليات العسكرية الاستباقية عن مقتل عدد من الإرهابيين البارزين، ولكن كثيراً ما يتعذَّر إثبات نجاحها في منع هجمات دموية أخرى.
ويرسل الردع رسالة واضحة إلى الجماعات الإرهابية حيال القوة العسكرية للدولة وعزمها. وقد استخدمت بلدان كثيرة تدابير عسكرية قوية لمنع الهجمات الإرهابية المستقبلية على أراضيها. إلا أن الأنشطة الإرهابية، على هذه التدابير، تستمر على المدى الطويل.
وقد أدى الانتقام العسكري، عند تنفيذه بوحدات عسكرية عالية التدريب وتخطيط محكم، إلى تدمير موارد مهمة للجماعات الإرهابية وقتل عناصرها، ولكن لا تزال فعاليته على المدى الطويل محل نقاش.
ويؤدي اغتيال الشخصيات البارزة في قيادات التنظيمات الإرهابية إلى فراغ في السلطة الداخلية على المدى القصير، ويضعف الروح المعنوية العامة للجماعات الإرهابية. إلا أن الاغتيالات يمكن أن توحي باستشهاد المستهدفين، وقد شجعت في بعض الأحيان على شن المزيد من الهجمات الإرهابية.
ودمرت الحروب ملاذات الإرهابيين، وجففت منابع تمويلهم، بل وكادت تقضي على بعض الجماعات الإرهابية. وقلصت بشدة من القدرات العملياتية للتنظيمات الإرهابية، وإن لم تقضِ على الأنشطة الإرهابية تماماً بعد.
حققت الطرق الست لاستخدام المواجهة العسكرية لمكافحة الإرهاب نتائجا في الغالب على المدى القصير، ولكن قد تستأنف الجماعات الإرهابية أعمال العنف على المدى الطويل. وقد حققت بعض الحالات نتائج أفضل من المتوقع نتيجةً للانتقام العسكري والحروب الشاملة، ولكن لا بدَّ من إجراء المزيد من البحوث حول الظروف والسياقات المحددة التي تكون فيها الحروب على الإرهاب أنجح من غيرها.
كما نلاحظ أن المواجهات العسكرية وحدها، مع قوة غير منظمة، وأجهزة استخبارات ضعيفة، وغياب الدعم المجتمعي، لا يُكتب لها النجاح عادةً في القضاء على الجماعات الإرهابية.
إن منع التنظيمات الإرهابية من مواصلة أنشطتها إنما يتطلب مشاركة مجتمعية لمواجهة الفكر المتطرف الذي يُسهم في تشكيل الجماعات الإرهابية، وقد استخدمت بلدان مختلفة استراتيجيات شتى للقضاء على التنظيمات الإرهابية دون إحداث دمار مادي.
ومنها استخدام تدابير الأمن السيبراني في عالمنا الرقمي المتزايد، وتعطيل الشبكات المالية التي تمول الإرهاب، كما تساهم الجهود الدبلوماسية والتعاون الدولي في مكافحة الإرهاب العالمي.
وإذ نفتش عن الاستراتيجيات المُثلى لمكافحة الإرهاب، فعلينا قبل المضي قدماً أن نقيم فعالية المواجهة العسكرية وغيرها من تدابير مكافحة الإرهاب.
نُشرت نسخة من هذا المقال في مجلة التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب.
