منذ لحظات تأسيسها الأُوَل، وضعت دولة الإمارات العربية المتحدة هدفاً نبيلاً نصب عينيها: وهو مد يد العون للمحتاجين والمستضعفين. وأصبح العمل الإنساني ركيزة من ركائز بناء الدولة؛ قيمةٌ متجذرة في تاريخ الأرض وشعبها. وتربى أبناء الوطن على مبدأ نصرة الإنسانية ومد يد العون، أو كما نقول بالعامية االفزعةب.
ولا تزال بلادنا اإمارات الفزعةب، لا تتوانى عن تقديم العون، والمسارعة إلى فعل الخير، فصارت منارةً ساطعةً للكرم والعطاء، تتألق بجهودها الإنسانية، يتردد اسمها بين جبال الشرق والغرب على رياح كرمها وروحها الإنسانية الأصيلة.
ولم تغدو الإمارات منارةً ساطعةً للخير من فراغ، بل كان في قلبها ازايد الخيرب، الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذي كانت حياته نبراساً لعمل الخير وتجسيداً حقيقياً للإنسانية. وقد رأينا قيمه تتجسَّد في أفعالٍ على جميع الأصعدة، إرثٌ جليُّ للقاصي والداني، يشهد عليه العالم أجمع.
وأمست دولتنا بفضله أسوةً حسنة في العمل الإنساني، ورائدةً بين الدول في هذا الميدان، استكمالاً لإرثه، البذرة التي غرسها زايد ورعاها بكل اهتمام حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. ومن أقواله الخالدة: سالغني يجب أن يساعد الفقير، والله العلي القدير منحنا هذه الثروة لتطوير بلادنا، وفي الوقت نفسه للمساهمة في تطوير الدول الأخرى.ز وبهذه الكلمات، التي أصبحت واقعاً ملموساً اليوم، تواصل بلادنا السير على درب زايد الخير.
ولا يسعنا إلا أن نسلط الضوء على ما تقوم به القوات المسلحة الإماراتية، التي برزت إسهاماتها في العمليات الإنسانية منذ عام 1976، وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، حفظه الله، هذا الالتزام، إذ قال: سوعلى نهج زايد الخير، سنعمل على تعزيز دورنا ضمن الدول الرائدة عالمياً في تقديم المساعدات التنموية والإنسانية وعمل الخير، والاستمرار في مد يد العون إلى المجتمعات في جميع أنحاء العالم دون النظر إلى دين أو عرق أو لون.ز
كان للإمارات دورٌ بارزٌ في إسهامات كثيرة على مختلف الأصعدة، فقد شاركت ضمن اقوات الردع العربيةب في لبنان في عام 1976، ولم تتردد في المشاركة في عملية التحرير إلى جانب قوات التحالف في دولة الكويت الشقيقة في عام 1991، وساهمت في مهمة اإعادة الأملب في جمهورية الصومال في عام 1991، وكانت من أوائل البلدان المشاركة في قوات حفظ السلام في جمهورية كوسوفو في عام 1999.
كما شاركت في عملية إزالة الألغام في جنوب لبنان في عام 2001، وشاركت في اقوة الصمودب في دولة الكويت في عام 2003، وانخرطت سريعاً في مهمة ابشائر الخيرب في العراق، وكذلك في باكستان وأفغانستان.
ويبرز دورها في الحفاظ على الأمن في كوسوفو تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقد استمرت هذه المهمة من عام 1999 وحتى عام 2001، وكانت أول وأطول عملية عسكرية وإنسانية وإغاثية تشارك فيها في أوروبا، وقدمت خلالها خدمات إنسانية رائدة، بدءاً من إنشاء مستشفىً ميداني للعلاج والإجلاء الطبي، وتوزيع الإمدادات الإغاثية والمساعدات الإنسانية، وإنشاء نظام متكامل للدفاع المدني والإسعافات الأولية، وإنشاء مستشفى الشيخ زايد في مدينة فوشتري.
كما رتبت لنقل المرضى الكوسوفيين إلى مستشفياتها عندما تعذر علاجهم في كوسوفو، وأعادت بناء نحو 1,000 منزل مدمر.
وقد كان دورها شاملاً في مختلف المجالات، وكلها تخدم مصالح الإنسانية، من توفير المواد الغذائية والإغاثة الطبية إلى الحفاظ على المباني والمنشآت وصيانتها وترميمها، وحتى إنشاء الحدائق والمتنزهات. ولم تقتصر مساعداتها على توفير المواد الغذائية أو العلاج، بل جسدت جهودها الحديث الشريف: سإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.ز
وساهمت القوات المسلحة الإماراتية في عام 2003 في إعادة إعمار العراق بعد المعاناة الناجمة عن العقوبات والحرب طيلة سنين، وتسببت في الخراب والدمار وانعدام الأمن، فسارعت الإمارات في ذلك الوقت إلى الوقوف إلى جانب العراق في محنته، بدءاً بعمليات الإمداد البحري بإرسال ثلاث سفن إلى ميناء أم قصر محملة بالأدوية والمستلزمات الطبية وسيارات الإسعاف. وأرسلت 60 شاحنة في خمس قوافل برية محملة بمواد إغاثية، وفتحت جسراً جوياً مكوناً من 24 طائرة، لنقل 395 طناً من المواد الغذائية والمساعدات الأساسية.
وفي إطار دورها الإنساني الشامل، أنجزت الإمارات أيضاً العديد من المشاريع، أبرزها مستشفى الشيخ زايد في بغداد، واستقبل المستشفى 41,196 مريضاً في غضون أيام قلائل، ولم يتوقف تقديم خدماته بكفاءة عالية على الرغم من الأوضاع المتوترة والخطيرة. ودليلاً على اهتمام القيادة ومتابعتها المباشرة، قام صاحب السمو الفريق طيار الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس أركان القوات المسلحة آنذاك، بزيارة شخصية لمستشفى الشيخ زايد في بغداد.
وأصدر خلال الزيارة توجيهاتٍ لإعادة تأهيل وصيانة العديد من دور الأيتام ودور رعاية المسنين، كما أمر سموه بنقل عددٍ من المرضى ذوي الحالات الحرجة لعلاجهم في مستشفياتٍ داخل دولة الإمارات، فعالجت 300 عراقي، وكان للإمارات عظيم الأثر في العراق.

عمليات الإغاثة
وتماشياً مع رسالتها الإنسانية الواضحة، واصلت دولة الإمارات إطلاق عمليات الإغاثة، وأبرزها عمليات االفارس الشهمب، كان أولها في عام 2021 بهدف إجلاء رعايا دولٍ مختلفة من أفغانستان. وبلغ عدد الأفغان ورعايا الدول الصديقة الذين أجلتهم من أفغانستان 36,500 شخص، ووافقت على استضافة 5,000 أفغاني تمَّ إجلاؤهم من أفغانستان أثناء توجههم إلى بلدان أخرى.
ولم تتوانَ عن القيام بواجبها الإنساني في أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا يوم 6 شباط/فبراير 2023، فنفذت عملية االفارس الشهم 2ب على مدى خمسة أشهر متتالية، فقدمت الدعم لضحايا الزلزال، وساهمت في جهود إعادة التأهيل، وعالجت 13,500 جريح.
كما نقلت 15,200 طن من المساعدات الإنسانية عبر جسر جوي ضم 260 رحلة جوية، حملت 6,912 طناً من المساعدات العاجلة، كالخيام والمواد الغذائية الأساسية والأدوية. ونقلت 8,252 طناً من المساعدات الإنسانية على متن أربع سفن شحن لنقل مواد الإغاثة وإعادة الإعمار إلى المناطق المتضررة.
وفي غزة، وعلى إثر تفاقم الأزمة الإنسانية، وجَّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قيادة العمليات المشتركة بوزارة الدفاع، بالتنسيق الكامل مع الوزارات الإماراتية وجميع المؤسسات الإنسانية والخيرية، بإطلاق عملية االفارس الشهم 3ب لغوث أهالي غزة، وكان لهذه العملية عظيم الأثر في التخفيف من حدة الأزمة، من خلال توفير الإمدادات الضرورية واستغلال الموارد المتاحة لتقديم المساعدات، وتضمن ذلك إنشاء مستشفى ميداني.
إن الجهود الإنسانية لدولة الإمارات، كما تجسدها قواتنا المسلحة، لا تقتصر على المساعدات المادية، وإنما تشمل قيم التسامح والنبل والعطاء. فهي نهجٌ يجسد االتعاون في الخيرب، ومنارة للتنمية البشرية، ومساهمة في حياة كريمة للجميع، دون تمييز أو تصنيف.
وهذه الجهود منارةٌ للخير والعطاء المستمر، تقوم على مبدأ وضع الإنسانية في المقام الأول، وواجب حماية الكرامة، وصون الوطن، والإيمان بأن لكل إنسان الحق في حياة كريمة، بعيداً عن ويلات الحرب. إنها رؤية يسود فيها السلام والأمن والاستقرار في أرجاء العالم؛ رؤية تسمح للأمم بالازدهار بكرامة.
نُشرت نسخة من هذا المقال في مجلة «درع الوطن» الصادرة عن القوات المسلحة الإماراتية.

