منذ عام 1990، عانى العراق من خروقات عديدة في المنافذ الحدودية بسبب استشراء الفساد وسيطرة عصابات الجريمة المنظمة والمهربين على طرفي الحدود. وازداد الوضع تعقيداً بعد عام 2003 بسبب انشغال القوات الأمنية بمحاربة الهجمات الإرهابية في الداخل، إذ استغلت بعض الميليشيات المسلحة الفرصة لفتح معابر بديلة لتهريب الأسلحة والمخدرات وجباية الضرائب غير القانونية على البضائع. ولم تكن الجهة المسؤولة عن المنافذ الحدودية واضحة المعالم بسبب تدخل جهات حكومية متعددة في عملها ماعقد التنسيق والإدارة، وسهل ذلك تغلغل الفساد والجريمة المنظمة. ودخلت خلال هذه الفترة المظلمة أدويةٌ فاسدة ولحومٌ لا تصلح للاستهلاك البشري، وكانت النتائج كارثية.
واتخذت الحكومة قراراً في عام 2016 لحل هذه المعضلة بتشكيل هيئة المنافذ الحدودية، تكون تابعة لرئاسة مجلس الوزراء مباشرةً، لتكون الجهة المسؤولة عن عمل المنافذ وإدارتها وقطع الطريق على عصابات التهريب والإرهاب والمفسدين من التغلغل فيها.
التقت مجلة يونيباث بالفريق عمر عدنان الوائلي، رئيس هيئة المنافذ الحدودية، فحدثنا عن الإنجازات التي تحققت والتحديات والتعاون الدولي في دعم هذه الهيئة المهمة.
يونيباث: هل لك أن تحدثنا عن دور هيئة المنافذ الحدودية؟
الفريق الوائلي: تشكلت هيئة المنافذ الحدودية وفق قانون 30 لعام 2016 وباشرت أعمالها يوم 1 تموز/يوليو 2017. وهي مستقلة بملاك عسكري ومدني. وعمل هذه الهيئة هو الرقابة والإشراف على كافة الدوائر المتواجدة في المنافذ الحدودية من أجل إحكام السيطرة وضمان الرقابة والتدقيق والتفتيش على كل من يعبر الحدود. وكان لتأسيسها عظيم الأثر في تعظيم الإيرادات وضبط الحدود والمنافذ ومحاربة الفساد. وتعمل وفق القانون والتعليمات والقرارات الصادرة عن مجلس الوزراء. وتعمل على مدار 24 ساعة، وتتواصل مع الوزارات والوكالات والأجهزة الأمنية، من أجل إحكام السيطرة وتقديم المعلومات وتقديم المشورة، وتعمل في المنافذ البرية والبحرية والجوية.

يونيباث: كم عدد المنافذ الحدودية في العراق؟
الفريق الوائلي: عدد المنافذ الحدودية 22 منفذاً، موزعة بين ستة مطارات وستة موانئ، والباقي منافذ برية مع إيران والكويت والمملكة العربية السعودية والأردن وسوريا.
يونيباث: كم عدد المنتسبين لديكم، وما أكثر المنافذ تعقيداً؟
الفريق الوائلي: العدد الكلي لمنتسبي الهيئة هو 2,649 فرداً، 70% منهم كادرٌ عسكري والباقي كادرٌ مدني. ولدينا العديد من الضباط في مختلف الاختصاصات. ومن التجارب الناجحة لهيئة المنافذ الحدودية هو اعتماد الحوكمة الإلكترونية بشكل كامل في الأعمال الرقابية، وكذلك استخدام أنظمة السونار في كافة المنافذ الحدودية من أجل تحديد نوع وصورة البضاعة ومنع مرور البضائع المهربة أو الأسلحة أو المخدرات. وأصبحت الهيئة من المؤسسات العراقية الحكومية المهمة لأنها تدخل في تعظيم الإيرادات، وتحقيق السيادة في التبادل التجاري، وفرض هيبة الدولة، ومنع العبث بمقدراتها، ومكافحة الجريمة المنظمة، ومنع المليشيات والخارجين على القانون من التوغل أو الاستفادة من إيرادات هذه المنافذ.
يونيباث: ما السبب وراء تشكيل الهيئة؟ هل تشكلت بسبب سوء التنظيم والانفلات الأمني على الحدود؟
الفريق الوائلي: كنا نواجه تحدياً كبيراً بسبب عدم وجود جهة مركزية تدير المنافذ التي تضم جهات أمنية وحكومية متعددة، ما دعا الحكومة إلى تأسيس هيئة المنافذ الحدودية حتى تكون الجهة التي تنسق وتدير عمل جميع العاملين. ففي المنفذ الحدودي الواحد 15 دائرة، وكل دائرة مرتبطة بوزارات وهيئات مستقلة، فمن الصعب وجود إحكام وسيطرة لعمل هذه الدوائر لكثرتها. وعملاً بمقولة الوحدة بآمرها، تشكلت هيئة المنافذ الحدودية لتكون الجهة الضابطة والمنظمة والمراقبة والمتابعة والمتحكمة بعمل هذا الكم من الدوائر متعددة الاختصاصات والمرجعيات من أجل تحقيق وحدة السيطرة ومركزية القيادة. كان لدينا فيما مضى المديرية العامة للمنافذ الحدودية في وزارة الداخلية، لكنها عُزلت بسبب أهمية المنافذ ودورها في تعظيم الإيرادات غير النفطية، وتشكلت هيئة منافذ حدودية مستقلة تحت إشراف رئاسة مجلس الوزراء. وقد أدى هذا الانفصال إلى سرعة التواصل والتنفيذ وسرعة استصدار القرارات الحكومية. وخلال رئاستنا للهيئة، وهذه هي السنة الخامسة لنا فيها، قدمنا الكثير من القرارات، وحققنا الكثير من الإنجازات، منها ضبط أسلحة ومخدرات وأدوية فاسدة حاول المهربون إدخالها للبلاد. ومن الإنجازات البارزة الأخرى التي تُعزى إلى الهيئة مباشرةً هو ضبط التحويلات المالية الوهمية، وبالتالي منع خروج الدولار من العراق بطرق مخالفة للقانون.
وحددنا المصارف والشركات والأفراد الضالعين في هذا الفساد، وقمنا بإعداد برامج وتنسيق عالٍ مع المحاكم والقضاة. وتتمتع الهيئة بدعم كبير من الحكومة أولاً وبدعم قضائي كبير من رئاسة مجلس القضاء الأعلى والقضاة الموجودين في كافة المحافظات. واستطاعت هذه الهيئة خلال هذه الفترة أن تفرض نفسها وأن تمد جذور قوية ورصينة في مكافحة الفساد. ونعمل الآن بوتيرة متصاعدة بالتنسيق مع مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من أجل تحديد الشركات الفاسدة، ومتابعة التحويلات المالية المشبوهة، ومراقبة عمل هذه الشركات. فلا يمر يومٌ واحد إلا وتوجه هيئة المنافذ ضربات موجعة للمهربين والمتلاعبين بالمال العام.
يونيباث: هل العدد الذي ذكرته هو عدد المنتسبين التابعين للهيئة أم العدد الكلي للأفراد التابعين إلى المؤسسات الحكومية الأخرى؟
الفريق الوائلي: العدد اللي ذكرته 2,649 هو مجموع الكادر المدني والعسكري لمنتسبي هيئة المنافذ الحدودية، أما منتسبو الدوائر الأخرى، فإنهم مرتبطون بالهيئة إدارياً وفنياً وعملياتياً.
يونيباث: تحدثت عن دوركم في مراقبة الحوالات المصرفية إلى خارج العراق؛ فهل لا يقتصر عملكم على انتقال الأفراد والبضائع عبر المنافذ الحدودية؟
الفريق الوائلي: تتمثل توجيهات الحكومة المستمرة في الانتقال نحو الحوكمة الإلكترونية والأتمتة. وقد أخذنا على عاتقنا أن نقوم بالحوسبة والحوكمة الإلكترونية بحيث نتأكد من أن أي فاتورة تجارية ترد من بلد المصدر يتم اعتراضها وتدقيقها؛ أي إننا نمنع التلاعب في الفواتير التجارية. وعلى سبيل المثال، إذا أقدم شخصٌ ما على استيراد 100 سيارة، فإنه يقدم فاتورة إلى المصرف بتحويل ما يقارب مليوني دولار أمريكي لشراء هذه السيارات، ولكن عند وصول السيارات للموانئ، فإنه يقدم فاتورة إلى المنفذ الحدودي بمبلغ 50,000 دولار، وذلك من أجل التهرب من دفع الرسوم الجمركية على الفواتير الحقيقية للسيارات. لكننا نمسك به بإجراءاتنا التدقيقية وفحص أرقام الفواتير. كما نقوم بعمليات أخرى للتدقيق والمراقبة للحد من تهريب العملة الصعبة خارج العراق بطرق مخالفة للقانون.

يونيباث: ما خطتكم لتطوير عمل الهيئة في المستقبل؟
الفريق الوائلي: يتمثل أهم أعمال التطوير في بناء منافذ حدودية نموذجية تليق بمكانة العراق الدولية ومكانته الجغرافية المهمة. وتكون هذه الأعمال على عاتق المحافظات من خلال الإيرادات المتحققة، إذ تستفيد كل محافظة بنسبة 50% من الإيرادات التي يجنيها المنفذ. وبالتالي أصدر مجلس الوزراء قراراً بإلزام المحافظات بإعمار وتطوير وبناء منافذ نموذجية. واليوم صار منفذ صفوان الحدودي منفذاً نموذجياً، وصار منفذ زرباطية الحدودي في طور الافتتاح، وهنالك أعمال بدأت بها محافظة البصرة في منفذ الشلامجة الحدودي، وكذلك يسعى محافظ ديالى إلى بناء وتطوير البُنى التحتية لمنفذي مندلي المنذرية. وكذلك شرعت محافظة الأنبار في تعزيز منفذ القائم ببنايات عملاقة تليق بأهمية المنفذ الحدودي مع سوريا، وكذلك هنالك نية وتوجيه حكومي بفتح منفذ آخر مع سوريا وهو منفذ الوليد الحدودي.
يونيباث: ما التحديات التي تواجهكم في عملكم اليومي؟
الفريق الوائلي: بصراحة، تتمثل التحديات التي تواجهنا في قضية الحوكمة الإلكترونية، إذ نحتاج إلى كوادر متخصصة ودعم الحكومة في ذلك، ونحتاج إلى سبل الإمداد التموين من بُني تحتية وحاسبات وكابلات ألياف ضوئية وإنترنت، لكننا نعمل بالممكن وبجهود ذاتية، وتمكنا، والحمد لله، من إنجاز المهمة.
يونيباث: كيف تدعم المنظمات الدولية العراق في تحديث وحيازة تقنيات جديدة وتحسين قدرات الهيئة؟
الفريق الوائلي: الهيئة نافذة مفتوحة على كافة المنظمات الدولية، ولدينا تنسيقٌ مباشر مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ولدينا تنسيقٌ مع المركز الوطني لتنظيم سياسة الهجرة، وتنسيقٌ مع مقرات الأمم المتحدة، ومع كافة المنظمات غير الحكومية المدعومة من الولايات المتحدة والسفارة الأمريكية، ونعمل مع جهات مدعومة من الدول الأوربية ودول الجوار. واستطعنا أن نحقق عمل مشترك مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات من خلال فتح غرفة مراقبة الحاويات في مطار بغداد، ونأمل في توسيع هذا المشروع إلى باقي المنافذ البحرية والبرية.
يونيباث: ما مدى استفادة الهيئة من تبادل المعلومات الاستخبارية مع البلدان الأخرى والأجهزة الأخرى في العراق؟
الفريق الوائلي: لدينا تواصلٌ مباشر مع الإنتربول وتنسيقٌ وتكاملٌ مع باقي الدول. ولدينا كذلك انظام المقارنة والتقييم الآمن لتحديد الهوية الشخصيةب (البايسز) التابع لجهاز المخابرات، ولدينا تواصلٌ مع أجهزة الشرطة العربية والدولية، وكذلك هيئات المنافذ الحدودية في دول الجوار ودول إقليمية وعالمية. وعلى مستوى مكافحة المخدرات، فلدينا تنسيقٌ مع دول الجوار ودول إقليمية، وهنالك تنسيقٌ مع الأجهزة الأمنية فيما يخص المطلوبين ومن صدر بحقهم حظر سفر. فعملنا متكاملٌ مع سائر الجهات المختصة ولنا تنسيق عالٍ مع المنظمات الدولية.
يونيباث: ما برامج التدريب الدولية المتاحة لمنتسبي الهيئة؟
الفريق الوائلي: يُرسل العديد من الموظفين للمشاركة في دورات داخل العراق أو خارج العراق من أجل تنمية القدرات ورفع مستوى جاهزية الموظفين والضباط. ونحضر دورات في الولايات المتحدة وقبرص ودول عربية. ونؤمن بأن تحقيق الإنجازات لا يحدث إلا بتنمية القدرات.
يونيباث: كيف يتم اختيار المنتسبين ومتابعتهم لتفادي الفساد؟
الفريق الوائلي: لدينا في هيئة المنافذ مكتبٌ تابع لمكتب التصاريح الأمنية، يقوم بعملية التدقيق الأمني لجميع المنتسبين قبل تعيينهم وبعد التعيين، إضافة إلى متابعة شخصية يجريها رئيس الهيئة، فلا نترك موظفا أو ضابطا إلا وأرسلنا اسمه للتدقيق من قِبل هيئة النزاهة والرقابة المالية والأدلة الجنائية وهيئة المساءلة والعدالة. وندقق سجلات التسجيل الجنائي للتأكد من أن المنتسب ليس محكوم عليه أو مطلوب للقانون. ونقوم بعملية التدقيق الأمني بانتظام من أجل متابعة أنشطة الضباط والموظفين، فضلاً عن مراقبة أملاكهم وحساباتهم المصرفية سنوياً. كما يتوجب على المنتسبين تقديم كشف الذمة المالية لهيئة النزاهة. ولا نترك موظفا أو ضابطا مشمولا بهذه الذمة المالية إلا بعد أن يقدمها، فضلاً عن متابعة مستمرة من عندنا. والحق أن الكثير من الموظفين والضباط على مستوى الهيئة وخارجها قد أُحيلوا إلى المحاكم المختصة بالنزاهة والمحاسبة. وإن هيئة المنافذ الحدودية بكادرها ورئيسها وموظفيها أثبتوا للحكومة وللمراقبين إنها هيئة فاعلة رادعة، جادةٌ في مكافحة الفساد، جادةٌ في تحقيق الإيرادات، وجادةٌ في أن تكون من المؤسسات النموذجية.
