جهاز مكافحة الإرهاب العراقي معروف بعملياته الميدانية الدقيقة ضد تنظيم داعش، ولكن هنالك جانباً أقل شهرة لكنه لا يقل أهمية يتمثل في تبنيه لنهج االقوة الناعمةب في مكافحة الفكر المتطرف، إذ يركز هذا النهج على إعادة التأهيل الفكري والاجتماعي للعائدين من مخيم الهول السوري، بمزيج من التقييم الأمني الدقيق، والدعم النفسي، وإعادة التوجيه الفكري والديني، وبرامج الاندماج المجتمعي.
يشكل مخيم الهول الواقع في شمال شرقي سوريا تحدياً أمنياً وإنسانياً معقداً، إذ يضم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، وبينهم عناصر أو أسر مرتبطة بتنظيم داعش. ويُعد المخيم في نظر الأجهزة الأمنية بيئة خصبة لاستمرار التطرف العنيف، إذ الأفكار المتشددة تُنقل وتنتشر داخله.
وفي هذا السياق، أطلق جهاز مكافحة الإرهاب العراقي يوم 11 آذار/مارس 2025 برنامجاً لدعم عمليات التأهيل، بإشرافٍ ودعمٍ مباشر من الفريق كريم التميمي، رئيس الجهاز. وتضمن البرنامج إجراء زيارات استقصائية وتحليلية لعينة من العائدين من مخيم الهول السوري في مركز الأمل للتأهيل النفسي والاجتماعي في محافظة نينوى. وجرى خلال الزيارات لقاء مسؤولي المركز والعاملين فيه، ومن بينهم ممثلو منظمات دولية، وخصوصاً الأمريكية، التي واصلت تقديم الدعم والرعاية الإنسانية رغم التحديات الإدارية والمالية.
تحولت المعطيات المستخلصة من هذه الزيارة إلى خطة عاجلة منسقة مع وزارة الهجرة والمهجرين، وبدعم من الشركاء الأمريكيين، أسفرت عن توقيع ورقة الإطار التنسيقي والتعاوني بين جهاز مكافحة الإرهاب والوزارة في تموز/يوليو2025.
تضمنت هذه الورقة محاور أمنية ونفسية ومعلوماتية، تستهدف دعم عمليات الاندماج والحماية والتأهيل للعائدين إلى أرض العراق بعد سنوات من العيش في بيئة فكرية متطرفة.
يرتكز منهج جهاز مكافحة الإرهاب على أن المواجهة الفكرية والاجتماعية للتطرف لا تقل أهمية عن العمليات القتالية لمكافحة الارهاب. وبناءً على ذلك، اعتمد الجهاز عدة برامج ، من أبرزها:

التقييم المسبق: قبل إدخال العائدين في برامج إعادة التأهيل، يُجري الجهاز عمليات فرز دقيقة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الأخرى لتحديد مستوى التهديد وتصنيف الأفراد وفقاً لدرجة احتمال خطورتهم.
الدعم النفسي ومعالجة الصدمات: كثيرٌ من العائدين، وخاصة النساء والأطفال، تعرَّضوا لصدمات نفسية شديدة جراء الحرب والتهجير. فيعمل الجهاز مع مختصين في الصحة النفسية لمعالجة اضطرابات ما بعد الصدمة وتخفيف آثار العزلة الاجتماعية وغسيل الدماغ الأيديولوجي.
إعادة التوجيه الديني والفكري: بالتعاون مع علماء دين ومؤسسات تعليمية، يقدم الجهاز برامج تصحيحية لتفكيك التفسيرات المتشددة للنصوص الدينية والتركيز على التعايش ونبذ العنف.
برامج الاندماج المجتمعي: ينسق الجهاز مع شيوخ العشائر والمجتمع المدني والسلطات المحلية لتسهيل عودة الأفراد إلى مجتمعاتهم الأصلية، مع العمل على تقليل الوصمة الاجتماعية وضمان الرقابة المجتمعية الإيجابية.
لا يمكن التعامل مع جميع العائدين على أنهم حالة أمنية واحدة؛ فبعضهم يؤمن بالفكر المتطرف، وبعضهم ضحية لظروف قسرية. وإدراك هذه الفوارق يسمح للجهاز بتصميم برامج مخصصة، تجمع بين الحماية الأمنية وإعادة التأهيل، ما يرفع فرص النجاح ويحد من مخاطر العودة للتطرف.
وقد أظهرت التجربة أن دمج المجتمعات المحلية في عملية إعادة التأهيل يقلل من التوترات ويزيد من فرص النجاح. كما أن توفير التدريب المهني للعائدين يسهم في خفض معدلات العودة إلى النشاط المتطرف.
تقدم هذه التجربة العراقية نموذجاً مهماً للدول والمؤسسات الأمنية: فمكافحة الإرهاب المستدامة تتطلب مزيجاً من القدرة العملياتية الحاسمة والأدوات غير القتالية التي تعالج جذور مشكلات معينة.
يُجسد جهاز مكافحة الإرهاب العراقي تحولاً مهماً في منهجية مكافحة التطرف العنيف، إذ لا يكتفي بإزالة التهديدات الميدانية، بل يعمل على تفكيك البيئة الفكرية والاجتماعية التي تسمح بانتشارها.
وتمثل هذه المنهجية المتوازنة بين القوة الصلبة والقوة الناعمة ركيزة لبناء أمن مستدام، وهذه الاستراتيجية قابلة للتطبيق في العراق، وفي المنطقة والعالم.
