راحت فصيلةٌ من رجال المشاة تنتشر على سفح تل صخري شديد الانحدار، متسللةً بين أشجار الصنوبر الجبلية حتى لا تعرقلها قوات العدو عن القيام بمهمتها لإجلاء مدنيين مصابين بألغام أرضية.
وما لبث مسعفو الفصيلة أن ثبتوا الإصابات الجسدية للمصابين، وطمأنوا المدنيين الذين كانوا يشعرون بالذعر، ومنهم رجلٌ انتابته حالة هستيرية لما رأى ساق صديقه مبتورة، وحملوا المصابين على نقالات وساروا بهم على هذه التضاريس الوعرة.
كان هؤلاء الجنود يشاركون في سيناريو تدريبي في إطار التدريب الميداني في تمرين «التعاون الإقليمي» لعام 2026 .(RC26) صادفت الفصيلة هؤلاء المدنيين في حقل ألغام خلال دورية لنشر الاستقرار في المنطقة المتنازع عليها في دولة صغيرة من وحي الخيال. قبل الوصول إلى المدنيين الجرحى، تعاملت الدورية مع أنظمة مسيرات (UAS) معادية وتهديد بالأسلحة الكيميائية.
أما تمرين «التعاون الإقليمي»، فهو أكبر تمرين متعدد الجنسيات تُجريه القيادة المركزية الأمريكية بهدف تعزيز أواصر التعاون مع الدول الشريكة في وسط وجنوب آسيا. يجمع التمرين بين تمرين مقر القيادة (CPX)، وتمرين ميداني (FTX)، وتمرين سيبراني (CSX) ضمن سيناريو تدريبي موحد. وقد استضافت قوات الحرس الوطني لولاية مونتانا تمرين «التعاون الإقليمي » 26 في «قاعدة فورت ويليام هنري هاريسون» في الفترة من 1 إلى 12 حزيران/يونيو، ووافق ذلك الذكرى الـ 30 لانطلاقه.
يهدف تمرين «التعاون الإقليمي» إلى النهوض بقدرة الدول الشريكة على تنفيذ عمليات حفظ الاستقرار في شكل تحالف متعدد الجنسيات يقوم بمهام تشمل عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

صرَّح المقدم راندال فيليبس، رئيس فريق التخطيط لتمرين «التعاون الإقليمي 26» في القيادة المركزية الأمريكية، بأن التمرين استمر كل هذه السنين بفضل حرصه على التكيف مع التهديدات الواقعية، ومثال ذلك أن سيناريوهات التدريب اشتملت على المسيَّرات والهجمات السيبرانية عندما صار الخصوم يستخدمونها.
وقال: «ظلَّ التمرين عظيم النفع على مدى ثلاثة عقود تخللها تغيير القادة، وتغير الأولويات، وتطور التحديات الأمنية».
شارك في التمرين جنودٌ وملاحون جويون أمريكيون من قيادات قتالية متعددة وثماني وحدات من الحرس الوطني، وانضم إليهم 320 جندياً من دول شريكة تشمل قيرغيزستان وباكستان وطاجيكستان وأوزبكستان وأرمينيا وجورجيا ومنغوليا. وكانت هذه أول مرة تشارك فيها أرمينيا وجورجيا في تمرين «التعاون الإقليمي»، فاتسع بذلك نطاق التمرين ليشمل شركاءً من منطقة القوقاز.
تطور التمرين منذ انطلاقه في عام 1996، لا سيما في السنوات الأخيرة، فقد كان تمريناً لمركز القيادة في الغالب لكنه تحول إلى بيئة تدريبية ديناميكية ومتكاملة.
كما شهد تمرين «التعاون الإقليمي 26» إدخال تقنيات جديدة: أول تجريب لنظام الإنزال الجوي الدقيق المشترك بعيد المدى في بيئة تدريبية، وأول مرة في التمرين السيبراني تُستخدم فيها منصة تدريبية قائمة على الذكاء الاصطناعي.
أما نظام الإنزال الجوي، فهو نظامٌ آلي لتوصيل الحمولات، موجه بنظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، يتميز بقدرته على الصمود وإعادة الاستخدام، ومصممٌ لإسقاط منصات الشحن جواً بدقة في مناطق النزاع. يستطيع هذا النظام المسيَّر نقل حمولة تزن 320 كيلوجراماً لمسافة تصل إلى 400 كيلومتر، أو لمسافة أبعد بحمولة أخف، فيُعيد تزويد القوات المعزولة بما يلزمها، مثل قوات العمليات الخاصة والاستطلاع، مع تقليل تعرضها للطائرات والدفاع الجوي.

تمرين مركز القيادة
تولى المشاركون في تمرين مركز القيادة العمل في مقر القيادة العسكرية لتخطيط وتنسيق وتنفيذ محاكاة لعمليات قتالية عسكرية وعمليات لنشر الاستقرار، استناداً إلى سيناريوهات واقعية وضعها المخططون للتمرين. ووٌزع الضباط وضباط الصف على أقسام متعددة الجنسيات بناءً على تخصصاتهم العسكرية، كالاستخبارات، والعمليات، والإمداد والتموين، والتخطيط، والعمليات المعلوماتية، والشؤون المدنية، والقوات الخاصة.
وتغلبوا على الحواجز اللغوية والثقافية لتحقيق أهداف تمرين مركز القيادة.
قال العقيد شهيد حسين، كبير المندوبين من باكستان: «يوفر هذا التمرين فرصة لفهم أساليب العمل التي يتبعها كلٌ منها وفهم ثقافاتنا المختلفة، وفرصة للاستفادة من التجارب والممارسات المُثلى لكلٍ منا».
والعقيد حسين ضابط مخضرم في القوات المسلحة لبلاده، أفنى فيها 26 سنة من عمره، وسبق له أن خدم في بعثة أممية لحفظ السلام في ليبيريا.
وأضاف قائلاً: «ما أجمل أن نرى أن ما يجمع جيوش العالم أكثر مما يفرقها من حيث الممارسات والانضباط والثقافات العملياتية، فكلنا نتعلم من التاريخ العسكري، وهذا ما يجمعنا».
وأيده في ذلك العقيد أكيبك أحمد شاريبوف، قائد تمرين مركز القيادة وكبير المندوبين من قيرغيزستان.
فقال: «كم أشعر بالامتنان لإتاحة الفرصة لوفدنا للمشاركة في هذا التمرين، فلقد استمتعنا باكتساب هذه الخبرات والمعارف القيِّمة».
وأعرب الرقيب أول باتولغا باتار من منغوليا عن تقديره لمشاركة ضباط الصف ومساهمتهم في هذه العملية؛ وهو كبير ضباط الصف في تمرين «التعاون الإقليمي 26 » ورجلٌ مخضرم في بعثات حفظ السلام في إفريقيا والقتال في أفغانستان.
فقال: «أكثر ما أعجبني في هذا التمرين هو مشاركة ضباط الصف في البيئة المشتركة، فما أروع أن أشاهد ضباط الصف من بلادنا وهم يتقدمون ويشاركون خبراتهم ويساهمون بفعالية في عملية التخطيط، فهذا سيساعدهم في التطور وصقل مهاراتهم القيادية».
أما المقدم جورج غوغنادزي، كبير المندوبين من جورجيا، فيشغل منصب مخطط أول في مركز التقييم والتدريب المشترك بين جورجيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بلاده، وقد استضاف هذا المركز تمارين مشتركة مع القوات الأمريكية، منها تمرين «الروح الرشيقة» )أجايل سبيريت) وتمرين «الشريك النبيل» (نوبل بارتنر(.

وله خبرةٌ تصل إلى 15 عاماً في مجال التخطيط للتمارين، وبناءً على هذه الخبرة الكبيرة، عمل هو وسائر الوفد الجورجي بصفتهم مراقبين وموجهين للتمرين، لا بصفتهم مشاركين. وقد أعربت جورجيا عن رغبتها في استضافة نسخة مستقبلية من تمرين «التعاون الإقليمي».
ومن أبرز ما يتميز به تمرين «التعاون الإقليمي» في رأي المقدم غوغنادزي أنه يُعرِّف الشركاء من آسيا الوسطى على منهجية التخطيط التي يتبعها حلف الناتو والولايات المتحدة، وهي عملية تصاعدية لا يزالون غير ملمين بها لأنهم يستخدمون أساليب تنازلية موروثة من زمن الاتحاد السوفيتي.
وأضاف: «لا شك أن هذا التمرين سيكون مفيداً لجورجيا أيضاً. فهذه البيئة متعددة الجنسيات مهمة لجورجيا وللبلدان الأخرى».
تمرين التدريب الميداني
توسَّع تمرين التدريب الميداني على مر السنين وصار أكثر تكاملاً مع تمرين مركز القيادة. وتدرَّب المشاركون في مونتانا على مدار ما يقرب من أسبوعين قبل الفعالية الختامية. وتضمن الأسبوع الأول اجتياز مسار الموانع، والملاحة البرية، وفنون القتال الاعزل، والتدريب على الأسلحة. وأتاح فرصة جيدة للقوات متعددة الجنسيات للتعارف والتآلف.
وأُعجب الرقيب نيكولاس هيل من الحرس الوطني لجيش أوكلاهوما أشد الإعجاب بالتناغم بين قوات الدول الشريكة بفضل مستويات لياقتهم البدنية العالية واحترافيتهم واندفاعهم.
قال «جميعهم يمتلكون روحًا تنافسية واعتزازًا بتمثيل بلدانهم على أكمل وجه ممكن، فهم ذوو قوة وبأس شديد».
وركز الأسبوع الثاني من تمرين التدريب الميداني على تشغيل المسيَّرات ومواجهتها، وذلك باستخدام المروحيات وإجلاء مصابين وهميين من ساحة المعركة استعداداً لفعالية ختامية تجمع محاور التدريب. تبرَّعت مؤسسة «روح أمريكا»، وهي مؤسسةٌ غير ربحية ممولة من القطاع الخاص معنية بقضايا الأمن القومي وتعمل بتعاون وثيق مع وزارتي الخارجية والحرب الأمريكيتين، بحقائب الإسعافات الأولية الحمراء الزاهية التي استُخدمت في التدريب، وقد احتفظ بها الجنود المشاركون.
وتمكنت القوة المشتركة في تمرين التدريب الميداني من المناورة والتواصل بكفاءة عالية في الفعالية الختامية بفضل التدريب المكثف والتعارف. وتخلل اليوم الأخير من تمرين التدريب الميداني عملية إنزال بالمظلات وتجريب نظام الإنزال الجوي الدقيق المشترك.

رقيب أنتوني آكه منساه/الحرس الوطني لولاية أوكلاهوما
التمرين السيبراني
كان المحور السيبراني من التمرين في عامه الثالث فقط، لكنه اشتد واتسع بإدخال منصة تدريبية جديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي.
يُنظر إلى التمرين السيبراني، على حداثته في تمرين «التعاون الإقليمي»، على أنه بالغ الأهمية في ظل التهديدات الأمنية المنبثقة من الفضاء السيبراني.
فقالت المساعد ثالث بالجيش الأمريكي آمبر هورن، المسؤولة عن التمرين السيبراني في تمرين « التعاون الإقليمي 26»: « الأمن السيبراني من أبرز ركائزنا الدفاعية. فقوة الأمن السيبراني في ساحة المعركة التي يتزايد التواصل فيها بين عدة مجالات ليست من مسائل تكنولوجيا المعلومات فحسب. بل ضرورة حتمية لتنفيذ المهام».
بدأ التمرين السيبراني بمحاضرات نظرية على مدار أربعة أيام لتحديث مهارات الأمن السيبراني الأساسية، ومنها استخدام المنصة التدريبية الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي التي تساعد على اكتشاف التهديدات السيبرانية في لمح البصر.
وقال النقيب أرتور بوغوسيان، وهو من المشاركين في التدريب، عن الذكاء الاصطناعي: «من المهم مواكبة التطورات التكنولوجية».
وطبَّق المتدربون في الأسبوع الثاني ما تعلموه في مجال الأمن السيبراني لحماية أنظمة الكمبيوتر، ومنع التلاعب بالشبكات، وتحديد مؤشرات الاختراق، وصد الهجمات. وتصدَّت الفرق في هذا السيناريو لهجمات سيبرانية شنَّتها أربع جهات مدعومة من دول غايتها شل البنية التحتية الحيوية.
استشراف المستقبل
تجلَّت أهمية تمرين «التعاون الإقليمي» مع انتهاء القوات متعددة الجنسيات من نسخة 2026 واستعدادها للرحيل.
فقال العقيد بوبوكالون شاهزودة من طاجيكستان: «لقد كان هذا التمرين خطوةً عظيمة نحو مواصلة شراكتنا وتعاوننا ومد جسور الثقة بين دولنا. وسنسخر المعارف التي تعلمناها والمهارات التي اكتسبناها هنا لتعزيز تعاوننا الإقليمي».
وأكَّد العميد ترينت غيبسون، القائد العام للحرس الوطني لولاية مونتانا، على القيمة الأساسية لتمرين «التعاون الإقليمي».
فقال: «يؤكد هذا التمرين على أهم شيء، ألا وهو العلاقات. فقد تحققت أهداف التدريب، ولكن الأهم من ذلك أننا نجحنا في بناء صداقات متينة».
