المصالحة السياسية في طاجيكستان
يمكن لإعادة دمج المتطرفين التائبين أن تساهم في تنمية البلاد
رستم حيدروف، دكتوراه، أكاديمية العلوم بجمهورية طاجيكستان
ينبغي إسدال الستار على حقبة المواجهة بين الطاجيك في عام 2019. وابتداءً من عام 2020، ينبغي أن تبدأ مرحلة جديدة، حقبة جديدة من التنمية في طاجيكستان ،في إطار الوفاق الوطني، تعزز الصورة الدولية الإيجابية للجمهورية. ويتعين على جميع الطاجيك أن يتحدوا وأن يركزوا على تنفيذ الهدف الاستراتيجي الرابع لدولتنا: توسيع العمالة المنتجة من خلال التصنيع.
اليوم، العالم منغمس في العولمة، التي تتسم بجوانب إيجابية وسلبية على حد سواء. هذا الأمر صحيح عندما يتعلق بمشكلة عالمية مثل انتشار إيديولوجية التطرف والتشدد الديني. تواجه الكثير من البلدان، التي تستخدم مختلف الأساليب والأدوات – مع مراعاة قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية — صعوبات في مواجهة هذا التهديد العالمي.
ومن المهم التذكير بأن بلدنا يواجه منذ عدة عقود تهديدات تأتي من مختلف المنظمات المتشددة والمتطرفة دينياً. وبطبيعة الحال، شهدت طاجيكستان نجاحات وانتكاسات على حد سواء. إن قيادة طاجيكستان، التي تكافح مظاهر التشدد والتطرف الديني، سعت لتحقيق وتتابع هدفا واحدا فقط — ضمان سلامة مواطني دولتنا والحفاظ على السلام والاستقرار في طاجيكستان.
لقد اجتزنا المرحلة الصعبة المتمثلة بتشكيل دولتنا: من الصراع إلى فترة ما بعد الصراع، وأخيراً، تحقيق السلام الكامل في أرضنا. وبعد تحقيق هذا السلام، بدأت ثقافة سياسية جديدة تتشكل تدريجيا في طاجيكستان. لقد تعلمنا نحن المؤيدين للحكومة وأولئك الذين يعتبرون أنفسهم معارضين لها أن نتعايش في فترة ما بعد الصراع.

رویترز
وقد أقيم حوار بين السلطات وأولئك الذين يعتبرون أنفسهم المعارضة السياسية، ولم يتأثر المشهد السياسي لمجتمعنا بالاتجاهات السلبية.
ولكن، كما أظهر التاريخ الحديث لتنمية دولتنا، لم يتم حل جميع تناقضات المعارضين السياسيين السابقين في فترة ما بعد الصراع. ولعل الحوار بين مختلف القوى السياسية في المجتمع الطاجيكي قد ضعف في مرحلة ما، ونتيجة لذلك، وجد بعض ممثلي جماعات المعارضة أنفسهم خارج البلاد. والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن أن يحدث هذا؟ إن الإجابة على هذا السؤال صعبة للغاية، ولكنني أود أن أحاول ايجاد الجواب.
قطبان سياسيان
تبين الممارسة السياسية العالمية أنه يتم الحفاظ على التوازن السياسي في مجتمع معين من خلال المواجهة بين قطبي النخبة السياسية — ما يسمون بالصقور الذين يحلون معظم المشاكل بالقوة وما يسمون بالحمائم الذين يقترحون حل مشاكل المجتمع من خلال الحوار البناء ومفاوضات السلام.
ويمكن رؤية هذا الاتجاه بوضوح في مثال معارضة النخب السياسية في بلاد الغرب مثل الولايات المتحدة الأمريكية. وأعتقد أنه قبل بضع سنوات فقط، كان هذا هو الحال في طاجيكستان، عندما اختل التوازن بين قطبي النخبة السياسية الطاجيكية، ولم يعد من الممكن إقامة حوار بنّاء مع المعارضين السياسيين للحكومة الرسمية.
بيد أن المشهد السياسي في طاجيكستان يشهد اليوم تحولاً، كما أنه يجري في الوقت الحالي النهوض بمستوى الثقافة السياسية. ويحدث هذا لأن النخبة السياسية تبدأ في التركيز على مبادئ البراغماتية والسياسة الحقيقية. وبفضل الإجراءات التي اتخذها هؤلاء البراغماتيون، نجحت حكومة طاجيكستان، بتهيئتها للظروف المواتية، في إعادة أكثر من 50 زعيما وعدة مئات من المنتسبين للجماعات المتشددة والمتطرفة دينياً إلى وطنهم. وقد أتيحت لهؤلاء المواطنين فرصة إعادة الاندماج في المجتمع الطاجيكي.
وفي رأيي أن النخبة السياسية الحديثة في طاجيكستان بدأت تدرك أن مستقبل طاجيكستان يعتمد على توحيد جميع القوى التقدمية في بلدنا. أعتقد أنه من الممكن ألا نحب هذه السلطة أو تلك في البلاد، ولكن من المستحيل ألا نحب الوطن الأم. إن الوطنية، في رأيي، هي سمة من سمات العقلية الطاجيكية. إن ممثلي أمتنا، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والسياسية والاجتماعية، وبدون استثناء، يحبون وطنهم، وطننا الحبيب — طاجيكستان. وينطبق ذلك على مؤيدي الحكومة الرسمية ومعارضيها السياسيين.
ومن الطبيعي أن يطرح السؤال التالي: هل تمثل عودة المعارضين السياسيين الطاجيك للحكومة الحالية حدثاً إيجابياً لطاجيكستان؟ بالتأكيد، نعم. سأرحب شخصياً بذلك الشخص أو المجموعة السياسية التي يمكنها أن تضمن السلام والاستقرار في بلدي. وإذا كانت عودة خصومنا السياسيين تسهم في الأمن، فإنني أرحب بهذا التطور. وأنا على يقين تام من أن عودة أي معارض طاجيكي هي خطوة أخرى نحو ضمان السلام على أرض طاجيكستان.
الحاجة إلى الدعم
خُدِعَ بعض الطاجيك بإيديولوجيات متشددة ومتطرفة دينيا قادتهم إلى الخارج للانضمام إلى منظمات متشددة ومتطرفة دينيا. وبناءً على ذلك، يجب أن نساعد هؤلاء الضحايا على العودة إلى ديارهم وإعادة تأهيلهم وإعادة دمجهم في المجتمع. تحاول النخبة السياسية الطاجيكية اليوم وضع استراتيجية وآليات لمساعدة هؤلاء الضحايا.

التعليقات مغلقة.