شهد عام 2025 تصعيداً غير مسبوق في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة في لبنان، إذ نجحت وحدات الجيش ومديرية المخابرات في تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية الموسَّعة، أسفرت عن إلقاء القبض على مصنِّعي وتجَّار ومروِّجي مخدرات ومطلوبين خطرين، فضلاً عن تفكيك معاملٍ لتصنيع المخدرات، وضبط كميات هائلة من المخدرات والأسلحة والذخائر.
وتعكس العمليات المستمرة في مختلف المناطق استراتيجيةً أمنيةً شاملةً، ترتكز على مراقبة الحدود، وإحباط عمليات التهريب، وملاحقة الشبكات الإجرامية، بما يرسِّخ دور الجيش كحارس أساسي للأمن والاستقرار، ويؤكد تصميم الدولة على حماية المجتمع من هذه الآفة الخطيرة.
وفي أبرز هذه العمليات، تمكَّن الجيش مؤخراً من القبض على المطلوب نوح زعيتر، أحد أخطر مروِّجي المخدرات في لبنان والمُلاحَق منذ سنوات، بعد مطاردة دقيقة شاركت فيها عدة وحدات عسكرية، ما يُمثِّل إنجازاً نوعياً في جهود مكافحة هذه الشبكات الإجرامية.
تُظهر البيانات الصادرة عن قيادة الجيش ذ مديرية التوجيه أن العمليات الميدانية التي نُفِّذت خلال العام قد اتسمت بتصعيدٍ لافتٍ في استهداف شبكات تصنيع المخدرات وتخزينها وترويجها. وقد تركَّزت المداهمات في البقاع والشمال والضاحية الجنوبية والمتن، وأسفرت عن توقيف جماعات منظمة ومطلوبين خطرين، وضبط مخازن للأسلحة والذخائر، وآلات لتصنيع المخدرات، وكميات ضخمة من الكبتاغون والحشيش والمواد الكيميائية. كما جرى إحباط محاولات تهريب واسعة للوقود والمواد الغذائية والغاز عبر الحدود الشرقية والشمالية، وتوقيف عشرات الأشخاص لدخولهم الأراضي اللبنانية خِلسة.

وتكشف البيانات أن الوحدات العسكرية كثَّفت استهداف الممرات غير الشرعية التي كانت طوال السنوات الماضية شرايين أساسية لتجارة الكبتاغون. وقد أقفلت معابر أساسية وداهمت منازل مطلوبين، في عملياتٍ أدت إلى تعطيل شبكات تُعد من أخطر مجموعات تصنيع الكبتاغون وترويجه، سواء داخل معامل مموَّهة أو داخل منازل مجهَّزة، مع ضبط آلات ومعدات تُستخدم في الإنتاج، وصولاً إلى ردم أنفاق مخصَّصة للتخزين والتهريب كانت تشكّل جزءاً من البنية التحتية التي ازدهرت في وقت سابق.
وكان تجار المخدرات في البقاع قد استعادوا نفوذهم بعد الانهيار المالي والسياسي الذي أصاب لبنان منذ عام 2019، مستفيدين من الفقر والإهمال المزمن في المنطقة. ومع انتشار تجارة الكبتاغون بتأثير الأزمة السورية وتنسيق شبكات على جانبي الحدود، ازداد تورُّط الشباب في هذا المجال. وأصبح كبار التجار يتمتعون بمكانة اجتماعية وسياسية، وكانوا يقدمون خدمات ومساعدات لأهالي المنطقة ومحاولين الظهور في ثوب االمنقذينب، فيما توسَّعت ادويلتهمب بفضل الأرباح الضخمة من تهريب المخدرات.
وبرزت دينامية مهمّة تتعلّق بطبيعة تصنيع الكبتاغون ذاتها، إذ اتضح أن سر االخلطاتب كان حكراً على كبار التجار الذين احتفظوا بوصفاتهم لأنفسهم، ما أدى إلى ظهور أصناف امغشوشةب مع دخول أفراد جدد إلى هذا المجال خلال مرحلة التوسع. وقد بيَّن تتبُّع الجيش لهذه المصانع أن تصنيع الكبتاغون يحتاج إلى معدات ومواد أولية تُشترى من السوق بطرق غير قانونية، الأمر الذي استدعى تشديد الرقابة على المواد الكيميائية وصهاريج النقل والمخازن.
وضمن هذا المسار، بدأت مخابرات الجيش حملة واسعة ضد تجار المخدرات في البقاع، فداهمت مصانع الكبتاغون ودمَّرتها، ما دفع التجار الذين كانوا يُعرفون بالهدوء إلى التصرُّف بعنف، وباتت المداهمات تنتهي غالباً باشتباكات. ومع تضييق الخناق عليهم، انتقلوا إلى المناطق الحدودية الوعرة، لكن الجيش لاحقهم هناك أيضاً، ما أسهم في كشف رؤوس كبيرة واعتقالها.
وفي موازاة ذلك، أدت المداهمات التي أُجريت في الضاحية الجنوبية وجبل لبنان والطرقات الرئيسية إلى إلقاء القبض على مروِّجين ومتعاطين وأفراد عصابات سرقة، وضبط أسلحة ومبالغ مزوّرة وأجهزة إلكترونية مسروقة، ما يعكس تشابك تجارة المخدرات مع الجريمة المنظمة.
وللتكيُّف مع الضربات، لجأ التجار إلى مصانع متنقلة تُثبَّت على شاحنات، فواجه الجيش نمطاً جديداً من التمويه والتنقل السريع، ما تطلَّب تطويراً تكتيكياً ورفع مستوى العمل الاستخباري.
وتُبرز الحصيلة النهائية حجم التعقيد الأمني الذي تتعامل معه الوحدات العسكرية، سواء أكان ذلك بضبط ملايين الحبوب المخدرة وبراميل المواد الكيميائية، أم بإتلاف مساحات واسعة مزروعة بالحشيش، أم بالقبض على مطلوبين ضالعين في عمليات قتل واختطاف وسلب ضمن شبكات عابرة للمناطق.
فعلى امتداد المواجهات، قُتل عددٌ من كبار التجار، وأبرزهم اأبو سلةب الذي شكَّل استهدافه نقطة تحوُّل في الحرب على المخدرات. فقد بدأ هذا الرجل تاجراً صغيراً، ثمَّ بنى خلال سنوات شبكة ترويج خطيرة، وكان قد أمَّن لنفسه شبكة حماية معقَّدة، قبل أن تنجح مخابرات الجيش بعد أشهر من التخطيط، وفي ظل سرية قصوى، في تضييق الخناق عليه ومداهمته من قبل دورية، فحصل اشتباك معه أدى إلى مقتله. وقد شكّل سقوطه رسالة حاسمة لبقية الرؤوس الكبيرة، وأسهم في تفكيك منظومة النفوذ التي جمعت أرباحاً هائلة خلال سنوات الحرب السورية والتدهور اللبناني.
و أُلقي القبض على أحد أخطر المطلوبين والمعروف باسم ابارون الحشيشب، بعد كمين مُحكم نفَّذته قوة خاصة في بلدته الكنيسة ببعلبك. ويُعد من أبرز المطلوبين بمذكرات توقيف عديدة تشمل تشكيل عصابات للاتجار بالمخدرات والأسلحة وتصنيع المواد المخدرة، إضافة إلى السلب والسرقة بقوة السلاح، وإطلاق النار في فترات سابقة على عناصر ومراكز عسكرية ومنازل مدنيين، فضلاً عن ضلوعه في عمليات اختطاف مقابل فدية.
ورأى كثيرون أنَّ القبض على نوح زعيتر يمثِّل محطة مفصلية في مسار المواجهة مع شبكات المخدرات الأكثر نفوذاً وتعقيداً في لبنان، ورسالة واضحة تؤكد قدرة الدولة وأجهزتها على استهداف كبار المتورطين وإنهاء نفوذهم.
كما أظهرت حصيلة العمليات ارتباط شبكات التهريب بعصابات الاختطاف، وتهريب السيارات، وتزوير العملات، والاتجار بالأسلحة.
تقوم الاستراتيجية التي اعتمدتها المؤسسة العسكرية على تفكيك الحلقات الثلاث: الإنتاج، والتخزين، والتهريب. فعمليات الضبط والملاحقة المتواصلة، إلى جانب انهيار إتاوة الحماية، أسهمت في تقليص قدراتها التشغيلية وتراجع حجم الإنتاج والتهريب. ومع هذا المسار، يتقدم الجيش بثباتٍ نحو إعادة رسم خريطة السيطرة على الحدود، وتعزيز الأمن الداخلي، وترسيخ قدرة الدولة على الحد من تمدُّد هذه الظاهرة التي طالما شكَّلت مصدر تهديد مباشر للمجتمع والدولة على السواء.


