إنَّ المملكة العربية السعودية هي حجر أساس الاستقرار الإقليمي والعالمي، وذلك بفضل موقعها الاستراتيجي، ورؤية قيادتها الحكيمة، وقوتها الاقتصادية المؤثرة، ومنزلة ملكها خادم الحرمين الشريفين. وتضطلع القوات المسلحة السعودية بهذه المسؤولية عن طريق الردع الفعَّال، والجاهزية العالية، والشراكات الراسخة، ولا تحيد عن التزامها الثابت بالمهنية والاحترافية والمبادئ الإنسانية.
وفي إطار المسؤولية المشتركة عن الأمن الإقليمي والعالمي، تواظب المملكة على تطوير قدرات مشتركة تكفل لها التنسيق الوثيق للعمل مع حلفائها وشركائها. ومن هذا المنطلق فلا غنى عن التكامل المستقبلي للقوات والردع المتكامل والعمل الجماعي للحفاظ على الاستقرار وحماية المصالح الإقليمية والدولية، لا سيما في بيئتنا العملياتية المعقدة.
وفي إطار رؤية المملكة 2030، لا تفتر المملكة العربية السعودية عن تحديث قواتها المسلحة لصون سيادتها، وحماية مصالحها الوطنية، ونشر الأمن العام. وتُولي عقيدتنا العسكرية الأولوية للجاهزية العملياتية، والتكامل المشترك، والتفوق التكنولوجي، وسرعة الاستجابة، والتكامل المستقبلي للقوات مع الدول الشريكة، للحفاظ على فعاليتها في ظل مختلف التهديدات المتغيرة.
ولا يقتصر الردع الحديث على العتاد العسكري، بل يعتمد على القوة الوطنية، وتوطين الصناعات الدفاعية، والكوادر البشرية الماهرة، والجاهزية في جميع المجالات العملياتية، ومنها الفضاء السيبراني والفضاء الخارجي. وتظل القوات المسلحة السعودية بفضل هذه الجهود على أهبة الاستعداد للتعاون من شركائنا في بيئات معقدة ومتنازع عليها.
أما تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، فيُعد من الركائز التي يقوم عليها نهج المملكة، وذلك من خلال تطوير شبكة دفاع جوي وصاروخي متكاملة متعددة الطبقات، تُعزز الإنذار المبكر، وتُحسِّن مستوى كشف التهديدات، وتُقلل من مخاطر سوء التقدير والتصعيد. كما أن الاستثمارات في منظومات مثل منظومة الدفاع الطرفي للارتفاعات العالية (ثاد) تُعزز الوضع الدفاعي الرامي إلى حماية البنية التحتية الحيوية ودعم الاستقرار الإقليمي.
ولا غنى للأمن الجماعي والتمارين المشتركة والتوافق العملياتي عن الشراكات، ولا غنى عن التعاون الدفاعي لرفع مستوى الفعالية العملياتية وتعزيز الثقة المتبادلة، من خلال خطط التعاون الأمني، وتوسيع شراكاتنا مع الحلفاء، مثل برنامج شراكة الولايات مع وحدات الحرس الوطني الأمريكي من ولايتي إنديانا وأوكلاهوما. وكل هذه الجهود إنما تنم عن التزامٍ طويل الأمد بالأهداف الأمنية المشتركة والتعاون العسكري العملي.
تتسم البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط بالتعقيد وعدم الاستقرار، كما يتضح في اليمن وإيران وغزة وسوريا ولبنان، والتوترات الدائرة حول باب المندب. ولا يزال الصراع في السودان يضر بالوحدة والاستقرار، فضلاً عن أمن البحر الأحمر. وهذا دليلٌ على أن العدوان الذي يحدث في بقعة ما يمكن أن يُهدد التجارة العالمية وتدفقات الطاقة والأمن البحري.
إن الأمن البحري للملكة والعالم لا ينفصل عن الاستقرار العام للممرات البحرية الدولية. وبالتالي تتعاون المملكة مع القيادة المركزية الأمريكية والشركاء الدوليين لتأمين الممرات المائية الاستراتيجية والتصدي للتهديدات البحرية ومكافحة التهريب والاتجار غير المشروع.
ولا تزال التهديدات غير التقليدية تبدد الاستقرار الإقليمي. وتقديم الدعم للجماعات المسلحة التي تعمل خارج نطاق مؤسسات الدولة الشرعية يشكل تحدياً مباشراً للنظام الدولي القائم على القواعد. ويتطلب التصدي لهذه التحديات وحدة التحالف والتطبيق المتسق للمعايير الدولية والالتزام المشترك بإغلاق المجال أمام التصرفات التي تزعزع الاستقرار.
لطالما حرصت المملكة العربية السعودية على مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، ولن تتراجع عن ذلك، ولا يمكن الاكتفاء بالعمليات العسكرية في مكافحة التطرف. وقد تأسس التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب في الرياض في عام 2015، ويمثل إطاراً عملياً لتنسيق الجهود المشتركة، وتعزيز تبادل المعلومات، والنهوض بالفعالية الجماعية بين الدول الشريكة. وتكمن غاية جهودنا في التصدي للفكر المتطرف والتجنيد عبر الإنترنت وتجفيف منابع تمويل الإرهاب التي تقوم التهديدات العابرة للحدود عليها.
وبالنظر إلى حجم التهديدات المحيطة بالبيئة الأمنية للمملكة، فإن قواتها المسلحة على أهبة الاستعداد لتنفيذ عمليات عسكرية شاملة بموجب القانون الدولي وقواعد الصراع المسلح. ولا تحيد المملكة عن التزامها بالرحمة والعدالة وصون كرامة الإنسان، وهذه المبادئ ركنٌ أصيلٌ من عقيدة قواتنا المسلحة.
وأخيراً، فإن الأمن لا ينفصل عن المسؤولية الإنسانية. وقد قدمت المملكة من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية مساعدات إنسانية كثيرة في شتى بقاع العالم مع تمسكها بمبادئ الحياد وعدم التمييز. ونُفذ في اليمن وحده أكثر من 1,900 مشروع، لبَّت الاحتياجات الأساسية في الأمن الغذائي والمياه والرعاية الصحية والتعليم، فساهمت في تخفيف آثار الصراع المستعر منذ أمد طويل.
ولسوف تواصل المملكة العربية السعودية السير على نهج متوازن ومسؤول في قضية الأمن؛ نهجٌ يجمع بين القدرات العسكرية والتحديث والتواصل الاستراتيجي والشراكات المتينة والعمل الإنساني وتطوير القوات بما يتماشى مع متطلبات المستقبل. وتسعى بهذا النهج إلى تعزيز الاستقرار ودعم الأمن العام والإسهام في صمود النظام الإقليمي والدولي.
الفريق الأول الركن فياض بن حامد الرويلي
رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السعودية
