أود ان أتقدم بالشكر الجزيل للأصدقاء في القيادة المركزية الأمريكية لتقديم الدعوة لنا للكتابة في هذا العدد من مجلة يونيباث الذي يركز على التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب لتسليط الضوء على الخبرات الكبيرة التي اكتسبتها القوات الأمنية العراقية من خلال محاربة التنظيمات الإرهابية.
لقد عانى العراق على مدى العقدين المنصرمين هجمات إرهابية متعددة على يد مجاميع مسلحة ومنظمات إرهابية كانت تستهدف التجربة الديمقراطية وتريد للعراق ان يبقى في دوامة العنف والإقتتال. بعض هذه المجاميع مدعومة من دول ذات اجندات ونوايا وخبيثة وأخرى تتغذى على الصراع الطائفي. لكن لم تعد التنظيمات الإرهابية كما كانت أيام معركة الفلوجة الأولى عام 2004 أو معارك تلعفر عام 2005 الى 2006 بل أصبحت أكثر تعقيدا إذ تبنت هذه المجاميع تكتيكات جديدة ذات علاقة بطبيعة الحروب اللامتماثلة او الهجينة وهي أكثر خطورة وتعقيد واقل مواجهات مباشرة وكذلك باساليب وتكتيكات بعيدة عن عيون القطعات الامنية. وتوارت أسماء أغلب المجاميع التي كانت تعمل قبل عقدين وظهرت مسميات جديدة وخلايا مستقلة تعمل بنظام وتوجيهات وادارة غير مركزية. لقد استغلت عصابات الإرهاب التطور التقني المعلوماتي كوسائل التواصل الاجتماعي لتحولها الى سلاح للتجنيد والترويج ونشر الدعاية المضللة. فمثلما تتطور القوات الأمنية وتزداد خبرات في ملاحقة الإرهابيين تتطور المجاميع الإرهابية في أقتناء واستخدام تقنيات حديثة أكثر تعقيدا في طرق التنقل والتواجد والتواصل والاختفاء.
تحضرني مقولة الفيلسوف الألماني ”أن الشئ الذي لا يقتلك يجعلك أقوى“ عندما أتذكر أحداث اجتياح داعش لمدينة الموصل والسيطرة على جزء من أرض العراق. تلك الحقبة المؤلمة وضعت العراق أمام مفترق طرق وهددت وجوده كدولة. في تلك المرحلة العصيبة برز الأصدقاء عند المحنة الحقيقيون وهرعوا للوقوف مع قواتنا الأمنية لطرد عصابات الإرهاب. لم يكن سقوط مدينة الموصل ممكننا لو لا وجود عدم استقرار في سورية فطالما تستغل المجاميع الإرهابية الصراعات الداخلية وغياب الأمن في المناطق الحدودية للانتشار وتهديد الدول المجاورة.إن نسبة الدمار التي خلفها داعش في الموصل والرمادي كانت مهولة جدا حيث كانوا يفجرون العجلات المفخخة في أزقة المدينة القديمة ويفخخون المعالم الأثرية والشواهد التاريخية ودور العبادة لمختلف الاديان والمذاهب وكل معالم الحضارة. أضافة الى هدفهم الاخطر بالسعي لتفكيك نسيج المجتمع العراقي ذي التعددية الدينية والأثنية وخلق الفتنة والتفرقة بين مكونات الشعب ولعل سبي وقتل وتهجير الأيزيديين و المسيحيين وسلب ممتلكاتهم هو الدليل القاطع على ذلك. لقد انتصر العراق ببسالة وتضحية أبناءه وبدعم الأصدقاء والشركاء وكل الخيرين بالعالم. فالعراق هو مهد الحضارات وأرض التسامح والتعددية ولا يمكن ان يهزمه المتشددون والمتطرفون.
بعد أن طوينا صفحة ظلمات داعش، بدأنا مرحلة البناء وأعادة تأهيل المجتمع. لكننا نبقى يقظين ونتابع ونلاحق الشبكات الإرهابية التي تعمل في المناطق النائية. اذ تمتلك التنظيمات الإرهابية أذرع في كثير من دول العالم وخاصة التي تساعد بيئاتها على ذلك. فالمجموعة الإرهابية التي تختبئ في كهوف مرتفعات حمرين بالعراق ليست معزولة عن العالم. بل تتواصل بشكل أو باخر او تتلقى التعليمات او التوجه العام مع تلك التي تتخفى في صحراء سيناء وتعمل مع مجموعة أخرى في أفغانستان وليبيا صومال واليمن. وهذه المجاميع لديها خلايا نائمة ومروجين في دول اوربية وأفريقية وفي أمريكا الشمالية والجنوبية. وربما تديرها أجهزة استخبارية في دول معينة تعمل على تقويض الأمن في المنطقة. كما تستخدم هذه التنظيمات شبكة معقدة للتمويل غير القانوني مثل الاتجار بالبشر وصناعة المخدرات وتهريب المنتوجات النفطية والخطف والابتزاز.
لم يعد بامكان الإرهابيين بالعراق اقتناء واستخدام الطائرات المسيرة والعجلات المفخخة او شن الهجمات على أهداف حيوية او مهاجمة القطعات بسهولة ولم تعد لديهم القدرة على التخطيط وكسب اعداد اضافية لكن طبيعة الحروب الجديدة اللامتماثلة وحروب العصابات قد تسمح لداعش بتطوير قدرات لشن هجمات سيبرانية على المنشآت الأمنية ومؤسسات الدولة الحساسة. لذلك لابد للدول الصديقة والحليفة ان تعمل معا وتتشارك المعلومات الاستخبارية من أجل منع وصول هذه المجاميع الى التقنيات وقطع تمويلها واستهداف قياداتها حتى لا تتكرر مأساة الموصل في دول الجوار.
ولتأكيد عزم العراق على مكافحة الارهاب هاهي بغداد تحتضن القمة العربية الرابعة والثلاثون اذ حضرها رؤوساء وأمراء وملوك الدول الشقيقة، كما أحتضن العراق قبل ذلك دورة كأس الخليج العربي لكرة القدم وموتمرات وورش عمل وندوات وزيارات واجتماعات إقليمية ودولية لترسيخ وتجسيد مفهوم الامن القومي الشامل.
وما كان ليتم هذا التطور لولا التضحيات والاندفاع والوطنية ومهنية القوات الامنية وضمان الانتعاش الاقتصادي. كما اننا نشارك في التمارين العسكرية متعددة الجنسيات مثل تمرين الأسد المتأهب في الأردن وتمرين النجم الساطع في مصر والتمارين الثنائية مع الشركاء. إذ احتضن العراق التمرين الجوي الثنائي مع القوات الجوية الفرنسية عام 2024 والتمرين الجوي المشترك مع القوات الأمريكية في 2025. ونحن نسير بخطى ثابتة نحو مستقبل مشرق خال من العنف والإرهاب.
الفريق أول الركن قيس خلف المحمداوي، نائب قائد قيادة العمليات المشتركة
