للصراع في أي بقعةٍ من بقاع العالم تداعياتٌ على سائر العالم، والصراع في غزة خير مثالٍ على ذلك، والحمد لله أننا توصلنا إلى وقفٍ لإطلاق النار، وقد تطلب ذلك تدخل دونالد ترمب، رئيس الولايات المتحدة، بنفسه لضمان تنفيذه.
وتتمثل أولويتنا الآن في الحفاظ على وقف إطلاق النار والالتزام بالاتفاق الذي أفضى إليه، وهكذا تبدأ مسيرة العمل، فكيف نعيد الأمن؟ بدون الأمن، لا سبيل لنا للمضي قدماً، ولا سبيل لنا للحكم الرشيد. فتوفير الأمن للفلسطينيين والإسرائيليين على السواء لن يعود بالخير على بلدان الشرق الأوسط وحدها فحسب، بل وعلى أوروبا والولايات المتحدة.
وقد فتح اقتراح الرئيس ترمب الباب أمام إنهاء الكارثة والعمل نحو مستقبل أفضل؛ فكيف نحوِّل هذا الاقتراح إلى أفعال، إلى خطط، إلى خطوات، إلى تدابير تكفل الأمن للجميع؟
وافق مجلس الأمن الدولي يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 على خطة تدعمها الولايات المتحدة لإنشاء قوة استقرار دولية في غزة، ستكون مسؤولة أمام ما أطلق عليه اسم مجلس السلام المنشأ حديثا برئاسة الرئيس ترمب. وقد أكدنا في الأردن، نحن وأشقاؤنا في مصر، مراراً استعدادنا التام لتدريب الشرطة الفلسطينية ونشر هذه القوة.
و بالطبع سيكون الوجود الإسرائيلي في غزة الموضوع الذي يُتفادى فتحه، فقد كانت إسرائيل حتى كانون الثاني/يناير 2026 لا تزال تسيطر على نحو نصف غزة، وإذا بقيت القوات الإسرائيلية فيها، أعتقد أن نشر الأمن لن يكون بالأمر الهيِّن، فلا بدَّ من وضع جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.

وفيما يلي التدابير التي علينا التعجيل باتخاذها: علينا نشر الشرطة الفلسطينية، والتأكد من توضيح نطاق عملها في ضوء قوة الاستقرار الدولية، ووضع آلية للتعامل مع القوات الإسرائيلية المتبقية في غزة.
وأعتقد أنه لا بدَّ من وضع آلية لفض النزاع، حتى لا يقع أي لبس حول القوات المسؤولة عن وقف إراقة الدماء ومنع تجدد الصراع.
وبعد إرساء الأمن، يجب النظر في قضية الحكم، وأعتقد أيضاً أنه لا بدَّ أن يحكم الفلسطينيون أنفسهم، فاستقدام أناسٍ من خارج المنطقة لحكم غزة لن يفلح، ولذا أعتقد أن النقاش انصبَّ على إنشاء لجنة تكنوقراطية فلسطينية غير سياسية، يجب ربطها بالسلطة الفلسطينية بشكل أو بآخر.
وإذا أردنا السير في مسار تقرير المصير الفلسطيني، وهو من أهداف اتفاق وقف إطلاق النار، فيجب أن تبقى غزة والضفة الغربية ركناً أصيلاً من مسار عملية إقامة الدولة الفلسطينية؛ فهذا شرطٌ أساسيٌ لإحلال السلام الدائم.
وعند تشكيل هيئة فلسطينية تدير شؤون غزة، نأمل أن تُشكل بعثة مساعدات دولية لمساعدة السكان على إعمار القطاع الذي ظلَّ ساحة حرب طوال عامين. فقد انهار النظام المدني، ولا توجد بنية تحتية لقطاع الأمن، ولا حكومة تمارس عملها، ولا خدمات صحية. فلا بدَّ أن تدخل غزة كمياتٌ هائلة من المساعدات. فلا يُعقل بعد كل هذه المعاناة أن تكون المساعدات مثار جدال وخلاف.
واستقرار الضفة الغربية هو السبيل لاستقرار غزة، ولسوف تذهب جهودنا سُدى مهما فعلنا في غزة إذا بقيت الضفة الغربية مضطربة. وقد تحدث الرئيس ترمب بكلام واضح لا لبس فيه حين صرَّح بأنه لن يسمح بضم الضفة الغربية، فلا سلام بضم الضفة الغربية.
فقد آن الأوان لنجتهد في حل قضية غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام، ولا بدَّ لي هنا من التأكيد على دور الدول الأوروبية التي لطالما كانت من أكبر المانحين للفلسطينيين. ولن نستغني عنها في عملية إعمار غزة التي ستكون مكلفة للغاية. ولا يقتصر دور أوروبا على تقديم التمويل، بل إنها صوتٌ مهمٌ للسلام في المنطقة.
أما سوريا، وهي بؤرة توتر أخرى في المنطقة، فقد كُتب لها النجاح حتى وقتنا هذا، وعلينا أن نبذل ما بوسعنا لمساعدة الحكومة السورية على إعادة بنائها. ولا بدَّ من ضمان أمنها، ووحدة أراضيها، وسلامة شعبها، وتمثيل جميع أبنائها. فالفوضى في سوريا، وما يصاحبها من ويلات الإرهاب، وهجرة اللاجئين، وتهريب المخدرات، لا تصب في مصلحة أحد.
فالحكومة الجديدة تستحق أن نقف إلى جانبها، والحكومة السورية تقول بوضوح إنها تريد التركيز على إعادة بناء بلادها، وأنها لا تشكل تهديداً لأي جهة خارج أراضيها، فلا بدَّ من وقف التدخل في شؤونها الداخلية.
ويجب على حكومات المنطقة وشركائها الدوليين التكاتف حتى لا يفشل السوريون والفلسطينيون في مسيرتهم نحو تحقيق السلام والاستقرار الدائمين.
