في خضم تنامي الاضطرابات الجيوسياسية، وتغيُّر المصالح الاستراتيجية، وتعدُّد التحديات المتربصة بالأمن الدولي، من المهم أن نستذكر تاريخ التعاون بين الولايات المتحدة ودول آسيا الوسطى، ولا سيما جمهورية كازاخستان.
فقد كانت كازاخستان من أوائل البلدان التي بدأت تعاوناً عسكرياً مؤسسياً مع الولايات المتحدة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وذلك بفضل انضمامها إلى «برنامج شراكة الولايات» في عام 1993، ضمن الـ 13 شراكة التي أُقيمت في السنة الأولى من تأسيس البرنامج.
وتتوسع هذه التوأمة التي ربطت بيننا وبين الحرس الوطني لولاية أريزونا الأمريكية سنوياً، وأمست حجر الأساس لمبادرات مشتركة في مجال الأمن العسكري، لا سيما عمليات حفظ السلام. وكان انضمام كازاخستان إلى البرنامج خطوةً مهمة نحو بناء شراكة وطيدة وطويلة الأمد.
ولم تكتفِ كازاخستان بالتعجيل بانضمامها إلى البرنامج، بل أمست أسوةً لإبرام شراكات مماثلة في دول آسيا الوسطى الأخرى.
في أواخر تسعينيات القرن العشرين، وبدعم من الولايات المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أُقيمت أولى فعاليات التدريب المشترك لحفظ السلام لجنودٍ من دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، منها تمرين «سنترازبات- 97»، الذي شارك فيه 1,400 عسكري من الولايات المتحدة وكازاخستان وأوزبكستان وجمهورية قيرغيزستان وتركيا وروسيا وجورجيا ولاتفيا.
وكان إنجازٌ تاريخيٌ للقوات الأمريكية وقوات آسيا الوسطى. ففي 15 أيلول/سبتمبر 1997، سافر نحو 500 مظلي من الفرقة 82 المجوقلة (المنقولة جواً) التابعة للجيش الأمريكي، و40 جندياً من كتيبة آسيا الوسطى التابعة لقوات الأمم المتحدة المساعدة (ومنهم جنودٌ من كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان)، 12,000 كيلومتر من فورت براغ بولاية كارولاينا الشمالية إلى شيمكنت في كازاخستان.
وشارك في نقلهم ثماني طائرات نقل من طراز «سي- 17»، تزودت بالوقود جواً ثلاث مرات خلال الرحلة.

وكان الفريق أول جاك شيهان، من مشاة البحرية الأمريكية وقائد قيادة المحيط الأطلسي الأمريكية آنذاك، أول مظلي يقفز. وأكدَّ قبل ثلاثة أيام فقط من تقاعده على أهمية إظهار قدرة الجيش الأمريكي على التدخل عند وقوع أزمة تستدعي تدخله.
وقد أرست هذه الشراكة العسكرية الأساس لتشكيل كتيبة حفظ السلام الكازاخية «كازبات»، التي شاركت بعد ذلك في عمليات عسكرية واقعية في إطار قوات التحالف الدولي.
وكان تنظيم تمرين «نسر السهوب» العسكري لحفظ السلام على يد الولايات المتحدة وكازاخستان والمملكة المتحدة امتداداً منطقياً لتمرين «سنترازبات»، ويُقام هذا التمرين سنوياً منذ عام 2003، بصورة أساسية في كازاخستان.
وبات السبيل الأول لتدريب الوحدات الكازاخية على مهام حفظ السلام الدولية، وتعريفها على طرق التنسيق السلس مع القوات المسلحة لسائر البلدان المشاركة.
ثمَّ غيَّرت أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 بنية الأمن العالمي تغييراً جذرياً. وأكدت كازاخستان في هذه اللحظة الحاسمة أنها من الشركاء الدوليين الذين يتحلون بالمسؤولية، وأصبحت الدولة الوحيدة في آسيا الوسطى التي أرسلت قوات إلى العراق لمؤازرة التحالف الدولي.
واستمرت المهمة نحو خمس سنوات، وشملت 10 تناوبات، بمشاركة مئات من العسكريين الكازاخيين الذين اكتسبوا خبرةً عمليةً في مناطق القتال.
وركزت القوات الكازاخية على مهام حيوية مثل الاستطلاع الهندسي، وإزالة الألغام، والدعم الطبي، والإغاثة الإنسانية، وإعادة تأسيس البنية التحتية المدنية.
ودلَّ أداء الوحدة الهندسية على الفعالية الاستثنائية للمهمة، إذ اكتشف المتخصصون الكازاخيون ودمروا أكثر من 4.5 مليون جسم متفجر، فسلمت قوات التحالف والمدنيون العراقيون من أهوالها.
لم يتطلب إنجاز المهام في منطقة الصراع التحلي بخصال المهنية والاحترافية فحسب، بل والتضحية بالنفس، فقد ضحَّى النقيب كيرات كوداباييف بحياته أثناء تأدية واجبه ضمن التحالف الدولي، وقد كان من أوائل الضباط الذين تولوا مهام عملهم في دولة كازاخستان في أول عهدها بالاستقلال.

رئيس رقباء تينيشا ميلين/ الحرس الوطني بالجيش الأمريكي
كان نجاح الجنود الكازاخيين في العراق حافزاً قوياً لإنشاء نظام تدريب عناصر القوات المسلحة في كازاخستان، فكانت المهارات العملية المكتسبة في العمليات الواقعية حجر الأساس لإنشاء «مركز تدريب حفظ السلام» (كازسنت) في عام 2008، وسُمي بعد ذلك باسم «مركز عمليات حفظ السلام»، وقد أُنشئ بدعم من الولايات المتحدة.
وأصبح من المراكز الرائدة في المنطقة، وهو مركزٌ معتمدٌ رسمياً لتدريب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وبذلك لا تكتفي كازاخستان بإرسال وحدات إلى البعثات الأممية، بل وتقدم تدريباً عالي المستوى لحفظة السلام من بلدان أُخَر.
وبفضل هذه الخبرة والاستعداد، عززت كازاخستان مشاركتها في جهود حفظ السلام الدولية بإرسال وحدات وضباط أركان إلى بعثات حفظ السلام الأممية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وصارت من المساهمين في نشر السلام العالمي.
وكانت كازاخستان الدولة الوحيدة في آسيا الوسطى التي أرسلت طائرة عسكرية إلى مطار كابول خلال انسحاب قوات التحالف من أفغانستان في عام 2021، فأجلى الطيارون الكازاخيون رعايا كازاخستان وجمهورية قيرغيزستان وروسيا ولاتفيا بالتنسيق مع قوات التحالف. وأكدت هذه العملية على تحقيق مستوى عالٍ من التوافق العملياتي مع القوات الدولية، وعلى تصميم أستانا على مواجهة الأزمات.
أضف إلى ذلك كازاخستان تُعرف بأنها من البلدان الرائدة على مستوى العالم في إجلاء المواطنين من مناطق القتال، فقد شاركت في المراحل الخمس لعملية «جوسان» الإنسانية، التي نُفذت بين عامي 2019 و2021 بفضل الدعم اللوجيستي الرئيسي من الولايات المتحدة، وتمكنت من إعادة أكثر من 750 مواطناً من العراق وسوريا، غالبيتهم العظمى من الأطفال، إلى وطنهم وأعادت إدماجهم في مجتمعاتهم.
وقد أشادت وزارة الخارجية الأمريكية بما قامت به كازاخستان، إذ وصفت العملية بأنها نموذجٌ عالمي، وأوصت البلدان الأخرى بالاقتداء بها.
إن تاريخ التعاون بين الولايات المتحدة وكازاخستان غير محصور في طيات صفحات الاتفاقيات الرسمية، وإنما يتجسَّد في الخبرة العملية المكتسبة خلال المهام المشتركة لمجابهة التهديدات العالمية.
وهذه الإنجازات تذكيرٌ مهمٌ بأن الشراكات والثقة التي بُنيت في الماضي لا تزال أساساً متيناً للتصدي للتحديات الجديدة المتربصة بالأمن العالمي.
