لمَّا أرادت طاجيكستان أن ترتقي بجهودها في مكافحة الإرهاب، ومنها رفع مستوى أمن الحدود، ولَّت وجهها شطر إحدى دول الشرق الأوسط؛ دولةٌ صغيرة المساحة لكنها واسعة الخبرة في هذا المجال، وهي دولة الكويت.
عُقد في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مؤتمرٌ بعنوان «تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب وبناء آليات مرنة لأمن الحدود»، شارك فيه مئات الوزراء ورؤساء المنظمات الدولية والخبراء المتخصصين في مدينة الكويت لمساندة جهود الأمن في وسط آسيا.
وكان من أبرز فعالياته مشاوراتٌ بين السيد سراج الدين مهر الدين، وزير خارجية طاجيكستان، والسيد عبد الله علي اليحيى، وزير خارجية الكويت، ومسؤولين من الأمم المتحدة.
وكان مؤتمر مكافحة الإرهاب في مدينة الكويت خير دليل على تنامي الروابط الأمنية والاقتصادية والثقافية بين دول وسط آسيا ودول الخليج العربي، وهذا التعاون يبشر بزيادة الاستقرار للجميع.
وقد وطدت أوزبكستان والإمارات الشراكة الثنائية القائمة بينهما. ولحق السيد شوكت ميرزاييف، رئيس أوزبكستان، بصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، في أبو ظبي في كانون الثاني/يناير 2025 للإعلان عن ”عصرٍ جديدٍ من الشراكة الاقتصادية بين أوزبكستان والإمارات.“
وقبل ذلك بشهر، زار الرئيس ميرزاييف صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، وناقشا سبل توسيع المشاريع الاقتصادية في مجالات الطاقة، والبنية التحتية للنقل والسياحة، والزراعة، والرعاية الصحية. كما تضمن جدول الأعمال الالتزام بمكافحة الإرهاب.

لأوزبكستان دورٌ رائدٌ في العمل الدبلوماسي في المنطقة، وتعمل سائر دول وسط آسيا على تعزيز علاقاتها مع دول الخليج العربي.
فقد كانت قمة طاجيكستان والكويت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 خطوة رئيسية للارتقاء بشراكتهما الأمنية. وفي ثنايا الكلمة التي ألقاها في القمة، أكد السيد إمام علي رحمن، رئيس طاجيكستان، على قوة وتأثير «عملية دوشانبي لمكافحة الإرهاب وتمويله»، مع الاهتمام بحماية الحدود.
وقال: ”تشارك بلادنا، بالتعاون مع شركائها، في وضع آليات تساعد على منع تهريب الأسلحة والمخدرات وتمويل الإرهاب. ومن الجلي اليوم أكثر من ذي قبل أنه لا يمكن لأي دولة أن تنجح في مكافحة هذه التحديات والتهديدات بمفردها.“
واستطرد قائلاً: ”وتقف طاجيكستان في طليعة البلدان التي تتصدى للتهديدات الحديثة كالإرهاب والتطرف والتشدد والاتجار بالمخدرات وغيرها من أشكال الجريمة المنظمة العابرة للحدود. ونعلم علم اليقين في هذا الصدد أنه لا بدَّ من تكامل الجهود على الصعيد الدولي.“
أكدت طاجيكستان وسائر دول وسط آسيا التزامها بالاستقرار الإقليمي، وذلك باعتماد مبادرات أمنية عالمية أخرى، مثل القمة المشتركة لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وناقش خلالها الممثلون المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط والتحديات والتهديدات التي تواجهها البلدان الإسلامية. وأكد السيد مراد نورتلو، وزير خارجية كازاخستان، على دور بلاده المتنامي في الأمن الإقليمي، وأهاب بمنظمة التعاون الإسلامي لأن تشارك في تعزيز السلام وحل الصراعات.

وذكَّر المندوبين بأن القوات الكازاخية ضربت المثل في الشجاعة والبسالة في صفوف بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام في مناطق الصراع، مثل مرتفعات الجولان ولبنان.
وللتكامل الاقتصادي بين دول وسط آسيا والشرق الأوسط أيضاً نصيبٌ في تعزيز الاستقرار، وتضع دول وسط آسيا ودول الخليج عينها على تعزيز التجارة والاستثمار الإقليمي والثنائي.
وجزءٌ من الشراكة المتنامية بين طاجيكستان والكويت يقوم على التعاون في قطاع الطيران، إذ سعت طاجيكستان إلى جذب الاستثمارات الكويتية في شركة طيران مدنية مشتركة، وناقشا سبل تسيير رحلات جوية مباشرة على متن شركة الخطوط الجوية الكويتية بين دوشنبه ومدينة الكويت.
واتفقت قيرغيزستان والبحرين على تكثيف التعاون في مجالات النقل والإمداد والتموين والسياحة وتصدير المحاصيل القيرغيزية إلى البحرين. وجاري التفاوض على تسيير رحلات جوية مباشرة أخرى بين عاصمتي البلدين: المنامة وبيشكيك.
وفي إطار جهود أوسع لجذب الاستثمار وتنشيط السياحة القادمة من الشرق الأوسط، اتخذت قيرغيزستان قراراً مهماً بإعفاء مواطني دول مجلس التعاون الخليجي من تأشيرة الدخول.

وتجيز هذه السياسة لزوار قيرغيزستان من هذه البلدان أن يقيموا فيها ستة أشهر دون داعي لاستخراج تأشيرة سياحية، ما عدا الوافدين للعمل والدراسة.
تتميز منطقة وسط آسيا بموقع استراتيجي، يتوافق مع حرص قطر على المشاركة العالمية، إذ تتطلع الدوحة إلى توسيع الفرص، وغايتها مواكبة السعودية والإمارات في مشاريع الاستثمار، لا سيما في مجالات الطاقة وسبل الإمداد والتموين والزراعة، وزيادة أثرها في منطقة وسط آسيا على اتساعها.
وقويت العلاقات بشدة بينها وبين كازاخستان، إذ تخطط لعدة مشاريع إنشائية كبرى تشمل محطات معالجة وخطوط أنابيب للغاز، وتتطلع كازاخستان إلى دخول السوق القطري لتصدير اللحوم الحلال إليها.
ولم تتخلف السعودية عن جيرانها في الخليج في التعاون مع دول وسط آسيا، إذ نفذت معها مشاريع تركز على التعاون في مجال الطاقة والاستثمارات الزراعية ونقل التكنولوجيا.

فقد أعلنت شركة «أكوا باور»، إحدى شركات الطاقة السعودية، في تشرين الأول/أكتوبر 2024 عن تمويل مشروع للطاقة الشمسية بقيمة 1.1 مليار دولار أمريكي في أوزبكستان. وكانت الشركة نفسها قد التزمت بالفعل بإنشاء محطات لطاقة الرياح في أوزبكستان وكازاخستان. وهذه المشاريع تساعد دول وسط آسيا على تنويع مصادر طاقتها مع الاستفادة من خبرة المملكة في إدارة مشاريع الطاقة الكبرى.
كما يمتد التعاون الاقتصادي المتنامي بين المنطقتين إلى العالم الرقمي، إذ تبشر البنية التحتية الرقمية المتطورة ومشاريع الحكومة الإلكترونية بتحسين الأمن السيبراني والنهوض بكفاءة الحكومة.
يبدو مستقبل العلاقات بين وسط آسيا والشرق الأوسط واعداً إذ يعملان على توطيد العلاقات فيما بينهما، وسيفضي ذلك إلى زيادة الاستقرار الإقليمي والنمو الاقتصادي وبناء جسور ثقافية، وكلما اتسع التعاون مع دول الخليج، اتسعت دائرة العلاقات العالمية لوسط آسيا، وتنوعت سياستها الخارجية للتقليل من اعتمادها على شركائها التقليديين.
