في ظل المواجهة العسكرية مع إيران، سارع بعض المراقبين إلى تصوير القتال على أنه تصعيدٌ مفاجئ فرضته مجريات الأحداث. إلا أن مثل هذه التفسيرات تغض الطرف عن حقيقة أصدق من ذلك. وهي أن ما يشهده العالم ليس بداية أزمة، بل ذروة مسار استراتيجي يتطور منذ قرابة الخمسة عقود من الزمان.
إن عدم الاستقرار الذي يعيشه الشرق الأوسط لم يبدأ مع العملية العسكرية الحالية. بل تمتد جذوره إلى الأسس الأيديولوجية التي قام عليها النظام الإيراني بعد ثورة 1979. حيث تبنت القيادة الثورية في طهران منذ بداياتها عقيدة تتخطى المصالح التقليدية للدولة بكثير.
وأضحى مفهوم ستصدير الثورةز ركيزة من ركائز الرؤية الاستراتيجية الإيرانية، وتسترشد به سياسة خارجية غايتها بسط النفوذ عبر الحدود وإعادة تشكيل المشهد السياسي في المنطقة.
ولم تعتمد هذه الاستراتيجية على أدوات الدبلوماسية المتعارف عليها، بل اعتمدت أشد الاعتماد على استخدام أدوات القوة بطرق غير مباشرة. فقد استحدثت إيران نموذجًا معقداً للنفوذ، يقوم على توظيف جهات مسلحة غير حكومية، وبناء شبكات أيديولوجية، وتطوير قدرات عسكرية موازية. وتطور هذا النهج بمرور الوقت حتى تحول إلى منظومة إقليمية معقدة من الوكلاء العاملين في مسارح صراع متعددة.
وكان لهذه الاستراتيجية أثرها البالغ. فلم تكن تنظيمات مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، ومختلف الفصائل المسلحة في العراق، مجرد حلفاء سياسيين، بل صارت ذراعًا عملياتيًا للاستراتيجية الإيرانية. وتمكنت طهران من خلال هذه الجماعات من التأثير على مسار الصراعات، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، والضغط على حكومات المنطقة، وكل ذلك مع حفاظها على قدر من الإنكار الاستراتيجي.

وبالتوازي مع هذه الشبكة من الوكلاء، أنفقت إيران أموالاً طائلة في قدرات عسكرية أثارت قلقًا دوليًا مستمرًا. فلطالما شكَّل برنامجها النووي مصدر توتر مع المجتمع الدولي طيلة عشرات السنين، إذ كان يثير تساؤلات جوهرية حول نواياها الاستراتيجية ومصير الأمن الإقليمي. كما صنعت أنظمة صواريخ ومسيَّرات متطورة أسهمت في تغيير موازين القوى الاستراتيجية في العديد من الصراعات الإقليمية.
ولم تقف هذه القدرات عند حدود إيران. بل نُقلت بعض هذه التقنيات والخبرات إلى جماعات إرهابية مسلحة متحالفة معها في المنطقة، فبسطت نفوذها وتعززت قدرتها على زعزعة الاستقرار.
فترتب على هذا النهج ظهور نمط من زعزعة الاستقرار الإقليمي لا يقتصر على الصراعات الفردية. فقد كان لمن تدعمهم إيران في حالات كثيرة يدٌ في إضعاف مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الحروب الأهلية، وتفاقم الأزمات الإنسانية التي أسفرت عن ملايين القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، وموجات تهجير، وتدمير اقتصاديات وطنية بأكملها.
والتداعيات الأوسع نطاقًا على الأمن العالمي لا تقل أهميةً عن ذلك. فقد أثبتت جماعات مرتبطة بإيران مرارًا وتكرارًا قدرتها على تهديد ممرات الملاحة الدولية والبنية التحتية العالمية للطاقة. وتعطلت حركة الملاحة في الممرات المائية الاستراتيجية، كالبحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن ومضيق هرمز، بسبب شبكة إيران الإقليمية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
وهذه الطرق البحرية ليست مجرد أصول إقليمية، بل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي. وأي تعطيل مستمر لها ستكون له تداعياتٌ لا تقتصر على حدود الشرق الأوسط، بل تضر بالتجارة الدولية وأسواق الطاقة والأمن العالمي.
ويرى كلٌ من واضعي السياسات والمحللين أن التحدي الأول لا يقتصر على الحرب الراهنة. بل تكمن القضية الجوهرية في التخلص من نموذج استراتيجي قائم منذ أمد طويل يجمع بين الطموح الأيديولوجي والحروب بالوكالة وتوسيع القدرات العسكرية.
فلا بدَّ من فهم هذا المسار التاريخي الأوسع نطاقًا. فعدم الاستقرار الذي تعاني منه المنطقة لم يظهر بين عشية وضحاها، ولا هو نتيجة مواجهة واحدة. بل هو نتاجٌ تراكمي لسياسات ظلت عشرات السنين تولي الأولوية للتوسع الأيديولوجي وتعظيم النفوذ الاستراتيجي على حساب الاستقرار الإقليمي.
وأي نقاش جاد لمستقبل الأمن في الشرق الأوسط يجب أن يبدأ وفق هذا الفهم. فلا يمكن للمجتمع الدولي أن يضع إطارًا مستدامًا للاستقرار الإقليمي والأمن العالمي إلا بإدراك منهجية هذا التحدي.
فيجب فهم الحرب الراهنة في هذا السياق الأوسع. فهي تعبر عن اللحظة التي ما عاد بالإمكان فيها احتواء عواقب هذه الاستراتيجية طويلة الأمد بالدبلوماسية وحدها أو بالردع المحدود.
فقد أمضى المجتمع الدولي سنوات في الحديث عن سبل التعامل مع المخاطر التي تشكلها القدرات العسكرية الإيرانية المتنامية وشبكة الميليشيات الإقليمية التابعة لها. إلا أن التلكؤ في اتخاذ إجراء حاسم ينطوي على مخاطر.
فلو استمرت سياسات إيران دون حسيب أو رقيب، لكان العالم أقرب إلى مواجهة واقع أشد خطرًا؛ نظامٌ إيراني يمتلك أسلحة نووية وله شبكة واسعة من الجماعات المسلحة في أرجاء الشرق الأوسط. وما كان هذا السيناريو ليهدد استقرار المنطقة فحسب، بل ولشكَّل تحدياً خطيراً للأمن العالمي.
وعليه، فإن المواجهة ليست مجرد فصل آخر في صراعات المنطقة، بل ذروة استراتيجية إيران المزعزعة للاستقرار التي اشتدت طيلة عقود من الزمان. والحرب تذكرنا بأن الدول عندما تتجاهل التهديدات المنهجية، فإنها كثيراً ما تدفع الثمن بعد ذلك في ظروف أشد خطرًا.
