فيما يتعلق بالتحوُّل السياسي في بلاد الشام، فقد خضعت منطقتنا طويلاً لسياسات إدارة الوضع القائم بدل التحوُّل، وتأجيل الحلول بدل مواجهة الأزمات.
وفي بعض الأحيان، كرَّرنا تجارب فاشلة، وألقينا اللوم على طبيعة المنطقة أو ثقافتها، لا الظروف التي أدت إلى هذه الإخفاقات، وسعينا إلى احتواء النيران، لا إخمادها، وإيقاف الحروب، لا حلِّها، والتعايش مع اليأس، لا إعادة الأمل. ولا بدَّ أن يتغيَّر ذلك هذه المرة.
فادارة الوضع الراهن هي الابقاء على ماهو عليه؛ أما التحوُّل فهو تغييره. والتحوُّل يتطلب شجاعة سياسية، ووضوحاً أخلاقياً، ومسؤولية جماعية، وتفعيل الدور الإقليمي لإعادة بناء الشرعية، وتجديد العقد الاجتماعي بين المواطن والحكومة، واستعادة الثقة بين الدول، وحل الصراعات من جذورها، والتمهيد لمراجعة أو استقراء ذاتي حقيقي.
ولا يتضح ذلك في مكان خير من الوضع المحيط بالصراع في غزة، فقمنا مراراً بإدانة جميع الهجمات على المدنيين، ومنها هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ولكن لا يجب كذلك تبرير الهجمات على المدنيين منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر.
ويتخذ العنف في الضفة الغربية شكلاً مختلفاً ولا يقلُّ رعباً عن الرعب في غزة، إذ تقوم جماعات من المستوطنين المسلحين، كثيراً ما تتحرك تحت حماية الجيش، بترويع المدنيين. فهذه عفاف أبو عليا ،على سبيل المثال، فلسطينية تبلغ من العمر 50 عاماً، كانت تقطف الزيتون في قريتها، وإذا بمستوطنٍ ملثمٍ يهجم عليها، وظلَّ يضربها حتى فقدت وعيها. فأصبح قطف الزيتون، وهو عمل بسيط لكسب الرزق واستمرار الحياة، عملاً من أعمال التحدي.
وهذا العنف ليس حالة منعزلة، فطالما أن الإفلات من العقاب يحل محل المساءلة، سيتفاقم الظلم ويتعمق التطرف. ولن تُحل المشكلة بمجرد كلام عن السلام، ولا بأي إصلاح في المناهج التعليمية، فالعنف والاستهتار بحياة الإنسان لا يفضيان إلى الأمن، بل إلى صراع لا ينتهي.
ووسط حالة اليأس التي سادت العامين الماضيين، وتحت قيادة دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، وبفضل جهود دبلوماسية إقليمية فعَّالة بقيادة السعودية وقطر ومصر وتركيا، تمَّ التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار قائم على مبادئ يجب أن ترسم المسار السياسي للمستقبل.
دعوني أُسلط الضوء على بعضها: لا ضم للضفة الغربية أو غزة كلياً أو جزئياً، ولا ترحيل للغزيين، وضمان حق النازحين في الرجوع الى ديارهم. هذه هي الشروط التي قام عليها وقف إطلاق النار.
وقد حان الوقت للانتقال إلى المرحلة التالية، لتحقيق مطلبٍ ينادي به الفلسطينيون منذ سنوات؛ وهو نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار لحماية الفلسطينيين، وتمكين السلطة الفلسطينية، ودعم الشرطة الوطنية الفلسطينية. وقد وافق مجلس الأمن الدولي يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 على إنشاء هذه القوة الدولية.
وهذه الخطوات ليست الغاية في حد ذاتها، فكما نوَّه مجلس الأمن في قراره، فيجب أن يتحوَّل الاستقرار إلى مسار نحو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم في غزة والضفة الغربية، وصولاً إلى الاندماج الإقليمي القائم على الأمن والاستقرار والازدهار المشترك لجميع شعوب المنطقة ودولها. وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم شرطٌ أساسيٌ للاندماج الإقليمي.
وفيما يتعلق ببقاع أخرى في المنطقة، فلا بدَّ من الحفاظ على وحدة سوريا والإمتناع عن التدخلات الخارجية فيها للحفاظ على استقرار بلاد الشام. وإن النهج الذي تنتهجه المملكة العربية السعودية إنما يقوم على الاستثمار السياسي والمالي، والأهم من ذلك هوالاستثمار في الشعب السوري وصموده وإبداعه وريادته وتميزه ووطنيته.
وفي لبنان، نواصل دعم الإصلاح، وتعضيد مؤسسات الدولة، وتمكين الجيش اللبناني باعتباره ركيزة السيادة الوطنية. فالاستقرار في لبنان مرهونٌ بالقيادة والمساءلة في الداخل، وضبط النفس من الخارج. ونحن نثق بالقيادة اللبنانية، وعلينا الوقوف إلى جانبها.
وفي إيران، فالفرصة سانحة لحل الصراع، فلا يزال بإمكانها تصحيح خلافات الماضي باستئناف العلاقات الدبلوماسية مع البحرين والانضمام إلى رؤية مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي القائمة على إعلان بكين. وستواصل المملكة العربية السعودية مساعيها الحميدة لتعزيز مسار خفض التصعيد وبناء الثقة والتعاون.
