يُعد الإرهاب ظاهرةً عالميةً معقدة، تسعى إلى ضرب المجتمعات، واستخدام العنف والتهديد لتحقيق مآربها، وتتطلب مواجهتها استجابةً متعددة الأبعاد، تشمل التعاون الدولي، وتكامل الجهود العسكرية والأمنية والاستخبارية والاقتصادية والاجتماعية والأكاديمية؛ ذلك لأن الإرهاب يُكثر من استخدام الأساليب والأدوات المتطورة، ويهدد الاستقرار المحلي والإقليمي، وتتجاوزه إلى التهديد العالمي.
وتعمل الجماعات الإرهابية على تطوير استراتيجيات القتال، وأساليب التأثير والدعاية لأفكارها المتطرفة، والانتقال من الهجمات التقليدية إلى استخدام الأسلحة المتقدمة، والتركيز على التقنيات الحديثة، واستغلال التقدم التقني السريع، والبحث المستمر عن وسائل جديدة لزيادة تأثيرها ونشر الفوضى في المجتمعات.
أصبحت التنظيمات الإرهابية قادرةً على استخدام تقنيات متقدمة لتحقيق أهدافها، حتى بات الإرهاب الإلكتروني تهديداً متصاعداً في ظل التقدم التقني الحديث، لا سيما مع تزايد اعتماد العالم على الإنترنت بشكل واسع، وهذا يسلط الضوء على أهمية اتخاذ سلسلة من الإجراءات الشاملة للحد من قدرة الإرهابيين على استهداف الأنظمة والشبكات وغيرها من البنية التحتية الرقمية.
وفي هذا السياق، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه واحداً من أكثر التقنيات تأثيراً في عالمنا المعاصر؛ لتنامي استخداماته وسرعة تطوره، والثورة التي أحدثها في مختلف المجالات: العسكرية والأمنية والصناعية والاقتصادية، فضلاً عن الطب والتعليم. ومع هذه الإمكانيات الكبيرة، فقد بات الذكاء الاصطناعي سلاحاً ذا حدين، إذ يمكن أن يكون نعمة للبشرية إذا استُخدم استخداماً سليماً وحكيماً، ووفق معايير وضوابط أخلاقية، ولكنه حتما سيشكل تهديداً خطيراً في أيدي التنظيمات الإرهابية.
تتعدد أنواع الذكاء الاصطناعي، ولكل نوعٍ مجالاتٌ وتطبيقاتٌ مختلفة وتأثيرٌ متباين. فمنه الذكاء الاصطناعي المحدود المهام والقدرات، المخصص لأداء مهام محددة، ومنه الذكاء الاصطناعي العام، وهو الأكثر تطوراً، إذ يمتلك القدرة على الفهم التلقائي، والتعلم الآلي، وتطبيق المعرفة، والقيام بأي مهمة يمكن للبشر القيام بها.
كما ظهر مصطلحٌ جديدٌ يشير لنوع ثالث من المتوقع أن تتبلور صورته وتقنياته مستقبلاً، وهو الذكاء الاصطناعي الفائق. وتشير التنبؤات العلمية إلى أنه قد يتفوق على الذكاء البشري في كل مجال، كالقدرة على الإبداع، والتكيف مع الظروف والبيئة المحيطة، وحل المشكلات، واتخاذ القرار الذاتي بناءً على التعلم الآلي والعميق بدون الرجوع إلى الإنسان الذي يتحكم به.
وبما أن الذكاء الاصطناعي يُعد من أدوات التقنية الحديثة الناشئة، والمتاحة أمام فئة كبيرة من الناس، فإنه يمكن أن يقع في قبضة التنظيمات الإرهابية التي تسعى إلى استخدامه لأغراض متطرفة، خدمةً لأفكارها أو تنفيذاً لخططها ومشاريعها. ويمكن أن يستخدم الإرهابيون الذكاء الاصطناعي في عملياتهم، سواء في مراحل التخطيط، أو التنفيذ وشن الهجمات، أو حتى التجنيد ونشر الفكر المتطرف. وكذلك يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في جعل العمليات الإرهابية أكثر دقةً وسرعةً وخطورةً، ما يشكل تحدياً للجهات الأمنية والاستخبارية.
تتطلب هذه التقنيات من الدول والأجهزة الأمنية والاستخبارية أن تمنع التنظيمات الإرهابية من امتلاكها، ووضع الخطط لضمان الحد من تأثيرها السلبي.

أساليب توظيف التنظيمات الإرهابية للذكاء الاصطناعي
استغلال وسائل الإعلام الاجتماعي
أمست وسائل الإعلام الاجتماعي من أهم مجالات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها التنظيمات الإرهابية لأغراض متعددة، مثل نشر الدعاية، وبث الأفكار المتطرفة، وتغذية خطاب الكراهية، والتجنيد، والتنسيق، والقيام بالهجمات النفسية، والسعي للتمويل بطرق مباشرة وغير مباشرة. وتستفيد التنظيمات الإرهابية من الخصائص الفريدة التي تتمتع بها منصات الإعلام الاجتماعي، مثل التفاعل المباشر، والقدرة على الوصول إلى جمهور واسع في كافة أنحاء العالم، والقدرة على التستر والتخفي عبر الإنترنت.
استغلال الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة
إن استخدام الجماعات الإرهابية لأدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة يشكل تهديداً حقيقياً متنامياً في العالم الرقمي، إذ يمكن لهم استغلال هذه الأدوات لتعزيز قدراتهم على التجنيد، والتخطيط، والتنفيذ بشكل أكثر فعالية، فالذكاء الاصطناعي يتيح للتنظيمات الإرهابية تحليل كميات ضخمة من البيانات التي يمكن استثمارها لاستخراج الأنماط، ودراسة سلوكيات الأفراد، أو النشاطات على الإنترنت؛ لتحديد الأهداف بدقة أكبر. وفضلاً عن ذلك، فإن تحليل البيانات بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في التخطيط للهجمات من خلال محاكاة السيناريوهات، وتحديد الثغرات الأمنية في أماكن معينة.
استغلال الذكاء الاصطناعي في شن هجمات سيبرانية على المرافق الحيوية
إن استخدام التنظيمات الإرهابية للهجمات السيبرانية هو تهديدٌ متزايدٌ يبين تحولاً في التكتيكات والأساليب التي تعتمد عليها تلك الجماعات. ولا تقتصر الهجمات السيبرانية على أهداف تقليدية مثل الأنظمة العسكرية أو الاقتصادية فقط، بل قد تشمل أيضاً الهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية ولها مساسٌ كبيرٌ بحياة المواطنين. كما تسعى تلك الهجمات إلى تهديد أمن المعلومات والتلاعب بالرأي العام.
استغلال العملات الرقمية لتمويل الإرهاب وإدارة العمليات المالية المشبوهة
يمكن للجماعات الإرهابية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي تسهيل عمليات تمويل الإرهاب باستخدام العملات الرقمية، مثل البيتكوين، مستفيدةً من السعي العالمي إلى تطوير العملات الرقمية وتعدينها. كما يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في إدارة المعاملات المالية غير المشروعة بتحسين أساليب التشفير، ما يجعل تتبع الأموال ومصادرها وتحليلها أصعب على الجهات الأمنية المختصة.
استغلال التواصل الآمن المشفر
تستغل التنظيمات الإرهابية الذكاء الاصطناعي في تطوير تقنيات التشفير المتقدمة التي تخفي التواصل بين أعضائها، ما يشكل صعوبةً على الطواقم الفنية المتخصصة والاستخبارية والأمنية لفك تشفير هذه الاتصالات لتعقب الإرهابيين. ومن خلال هذه التقنيات، يمكن للجماعات الإرهابية تحسين قدراتها في إخفاء هويتها على شبكة الإنترنت من خلال استخدام شبكات افتراضية خاصة بها.
الاستغلال غير الأخلاقي للذكاء الاصطناعي
إن استخدام الإرهابيين للذكاء الاصطناعي يسبب تهديدات حقيقة على مستوى اختراق الخصوصية، واغتيال الشخصيات، وانتهاك المعايير الأخلاقية، لا سيما في ظل تقدم تقنيات تحليل البيانات، وحملات التجنيد الرقمية، ونشر المعلومات المضللة والخطابات التحريضية لبث الكراهية بين فئات المجتمع. وتُضاف هذه التهديدات إلى القضايا الأخلاقية المتعلقة بحماية البيانات، والحفاظ على حقوق الأفراد في مواجهة استغلال هذه التقنيات بطرق غير قانونية.
تطوير الأسلحة الآلية ذاتية التشغيل والموجهة
إن تطوير الأسلحة الآلية ذاتية التشغيل والأسلحة الموجهة باستخدام الذكاء الاصطناعي (مثل الطائرات المسيَّرة) من قِبل الجماعات الإرهابية يمثل تهديداً خطيراً؛ لأن هذه التكنولوجيا تعزز قدرة هذه الجماعات على تنفيذ هجمات فعالة ودقيقة دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر، وذلك باستخدام التقنيات المتقدمة التي تعمل على تحسين دقة الأسلحة وإصابتها لأهدافها، فهذا يزيد أيضاً من قدرتها على التكيف ذاتياً وديناميكياً، ما يعقد مواجهة هذه الأنشطة.
تحليل الصور والفيديوهات
إن استخدام الإرهابيين لتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور والفيديوهات يمكن أن يعزز ويطور قدراتهم في مجالات كثيرة، مثل المراقبة، وتحديد الأهداف وتمييزها بدقة، والتجنيد والتخطيط العملياتي المبني على الحقائق، والفبركة والتضليل الإعلامي. وهذه التقنيات تنفعهم في التلاعب بالصور والمعلومات المرئية والفيديوهات التي يحصلون عليها من مصادر متعددة، منها ما هو مصادر مفتوحة أو من خلال تحليل البيانات، وهذا يشكل تحدياً للأنظمة الأمنية في متابعة الجماعات الإرهابية وتعقبها. وهذا يتطلب من الشركات التقنية تطوير تقنيات تفوق ما تمتلكه تلك الجماعات لمساعدة الجهات الحكومية في التوعية الإعلامية بالمضامين المزيفة.
سبل مواجهة توظيف الجماعات الإرهابية للذكاء الاصطناعي
هنالك بروتوكولات يمكن اتباعها للحد من قدرة الجماعات الإرهابية على الوصول للتقنيات الحديثة واستغلالها في هجماتها الإرهابية، سواءً أكانت تستهدف البُنى التحتية، أم النظم الحاسوبية، أم تستهدف البشر على المستوى الفكري لبث سمومها وأفكارها المتطرفة. ويمكن في هذا السياق تحديد مجموعة من الخطوات الإجرائية منها:
رفع كفاءة الجهات الرسمية المعنية بمحاربة الإرهاب
تتطلب محاربة التنظيمات الإرهابية والحد من قدرتها على استغلال الذكاء الاصطناعي في أعمالها مستوىً عالياً من الكفاءة، وهو ما يعطي أهمية لتعزيز قدرات الجهات المتخصصة عن طريق دعمها بتوفير أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدراتها السيبرانية، وتنفيذ برامج تدريبية لمنسوبيها على استخدام هذه التقنيات، بما يمكنها من أداء الدور المنوط بها بكفاءة وفعالية.
تجفيف الموارد المالية للجماعات الإرهابية
تتطلب مواجهة استخدام الجماعات الإرهابية لتقنيات الذكاء الاصطناعي في أعمالها الإجرامية تجفيف مواردها المالية، وذلك بفرض قيود صارمة على تحويل الأموال، وتطوير أنظمة تقنية مالية تتيح تتبع ومراقبة العمليات المشبوهة، فالتنظيمات الإرهابية دائماً ما تعتمد على مصادر تمويل غير شرعية.
تنفيذ البحوث والدراسات العلمية التحليلية
من المهم في سياق الحد من قدرة الجماعات الإرهابية على استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي دعم إجراء البحوث والدراسات التي تعنى برصد أبرز التقنيات الحديثة المستخدمة في العمليات الإرهابية، وتحليل طبيعة وماهية المداخل التي ولجت منها التنظيمات الإرهابية نحو هذه التقنيات، وكيفية توظيفها، وأبرز الثغرات الأمنية التي استغلتها.
ويقتضي هذا النهج العمل بفهم شمولي للسياقات التي استثمرتها هذه الجماعات، وجمعٍ كافٍ للبيانات التي يمكن الاتكاء عليها لفهم كيفية تفكيرها، وتوقع نشاطاتها المستقبلية والأدوات المحتمل أن تستغلها، واستيعاب ذلك كله في الخطط والبرامج المنفذة لمحاربة الإرهاب.
تكوين فرق متنوعة الخبرات
إن استخدام الذكاء الاصطناعي يتطلب مستوىً عالياً من الخبرات المتنوعة والتعلم المستمر، والقدرة على تطوير الأنظمة الذكية وصيانتها، إذ تتداخل اختصاصاتٌ كثيرة في مجال محاربة الإرهاب. فالمهندسون والعاملون في مجالات التقنية الذين يعملون على رفع جودة التقنيات الحديثة في محاربة الإرهاب لا يمكن أن يكونوا قادرين على فهم سياقات توظيف الذكاء الاصطناعي في الأعمال الإرهابية ما لم تُدعم معرفتهم بخبرات القانونيين ومنسوبي الجهات الأمنية.
وهو ما يعطي أهميةً لتكوين فرق متخصصة متنوعة الخبرات، عسكرياً وأمنياً وتقنياً وتعليمياً، لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي المعقدة.
التعاون الدولي لمحاربة الإرهاب
يتصف خطر الجماعات الإرهابية بطابع عالمي، إذ تثبت التجارب السابقة أن أثر أي تنظيم إرهابي لا يقتصر في الغالب على نطاق جغرافي ضيق، بل يمتد ليشمل عدداً واسعاً من الدول حول العالم، وهو ما يعطي أهميةً لتعزيز التعاون الدولي، وإعداد وتنفيذ خطط تراعي السياقين الإقليمي والدولي.
فرض القيود القانونية والأخلاقية
ينبغي أن تعمل الحكومات والدول المختلفة على وضع قوانين ومعايير وأطر تنظيمية لمحاربة استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الإرهابية، لتمنعها من إنشاء محتوى مفبرك ومضلل وزائف من الفيديوهات والصور، وتسمح بملاحقتها. وعلى الدول أن تقوم بتطوير أدواتٍ للكشف عن هذه الأنواع من المحتوى والتوعية الإعلامية بالمضامين المزيفة، مما يحد من فعالية هذه الأساليب في التأثير على الرأي العام.
الخلاصة
يتصف استغلال التنظيمات الإرهابية للذكاء الاصطناعي بأنه معقد ومتعدد الجوانب ومتطور ومتسارع، ويمثل تحدياً كبيراً يتطلب استجابةً شاملةً من جميع الحكومات والأجهزة الأمنية. ويشمل ذلك وضع استراتيجيات فعالة لمواجهة التهديدات الرقمية، وتعزيز القدرات التقنية والبشرية، والتعاون الدولي، وتطوير أدوات الأمن الرقمي وتحسينها.
كما يتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين تعزيز البنية التحتية الأمنية، وتطوير السياسات والقوانين والتشريعات، وتحسين القدرات الفنية التقنية في المراقبة والتحليل.
وينبغي أن نشير إلى أهمية إيلاء الجانب الأكاديمي والتعليمي عنايةً خاصة لرفع درجة الوعي بأهمية الذكاء الاصطناعي، والإجراءات الوقائية التي يجب على الدول والمجتمعات اتخاذها لمواجهة وصول التنظيمات الإرهابية إلى التقنيات الحديثة الناشئة.
دور مجموعة العمل المالي
تتطلب مواجهة استخدام الجماعات الإرهابية لتقنيات الذكاء الاصطناعي في أنشطتها الإجرامية تجفيف منابع تمويل الإرهاب واستخدامها للشبكات المالية الرسمية وغير الرسمية. ويمكن القيام بذلك عن طريق العمل المشترك بين مختلف المؤسسات الحكومية ووحدة الاستخبارات المالية في كل دولة، ووحدات الاستخبارات المالية مكلفة بالالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بسياسات «اعرف عميلك» ولوائح مكافحة غسل الأموال الصادرة عن مجموعة العمل المالي.
ومجموعة العمل المالي عبارة عن منظمة غير حكومية تعمل عمل الجهة الرقابية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على مستوى العالم. وتحظى بدعم أكثر من 200 دولة واختصاص قضائي، وتقوم من خلال فروعها الإقليمية بتتبع الاستجابة العالمية وتنسيقها لحرمان الأموال غير المشروعة من دخول النظام المالي العالمي. وتأتي هذه الأموال من الجريمة المنظمة والفساد والمخدرات والاتجار بالبشر وانتشار أسلحة الدمار الشامل وسائر الأنشطة الإجرامية.
إن مكافحة تمويل الإرهاب وحرمان الجماعات الإرهابية من العملات المشفرة يتطلبان تبادل المعلومات والاستخبارات بين المؤسسات الحكومية والدول الشريكة لفرض العقوبات وتنفيذ الضبطيات وإجراء التحقيقات الجنائية وشن العمليات العسكرية. المصدر: أسرة يونيباث
